تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
ونظير الآية قوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ، ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ، ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
[ الأنعام 6 / 38 ] ، وقوله تعالى :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ الأنعام 6 / 59 ] . وبعد أن أثبت تعالى بالدليل المتقدم كونه عالما بالمعلومات ، أثبت بكونه خالقا السماوات والأرض كونه تعالى قادرا على كل المقدورات ، وفي الحقيقة كل واحد من هذين الدليلين يدل على كمال علم اللّه وعلى كمال قدرته ، فقال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . .
. أي أنه تعالى يخبر عن قدرته على كل شيء ، وأنه خلق أو أبدع وكوّن السماوات والأرض في ستة أيام من أيام اللّه في الخلق والتكوين ، لا كأيامنا الحالية ، وهو الظاهر بدليل قوله تعالى :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
[ الحج 22 / 47 ] وقوله :
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
[ المعارج 70 / 4 ] . ويقدر علماء الفلك اليوم من أيام التكوين بألوف الألوف من سنوات الدنيا .
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
العرش : أعظم المخلوقات ، ولا نعلم حقيقته وإنما نؤمن به كما أخبر عنه تعالى ، وأما استواؤه عليه ، فالاستواء معلوم والكيف مجهول ، كما روي عن أم سلمة رضي اللّه عنها ومالك وربيعة . وهذه الآية تدل على كيفية بدء الخلق قبل أن يخلق اللّه السماوات والأرض ، وعلى أن العرش والماء كانا قبل السماوات والأرض ، وأن العرش كان قبل أن يخلق شيئا ، وأن ما تحت العرش هو الماء أصل المادة الحية ، كما قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً ، فَفَتَقْناهُما ، وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ، أَ فَلا يُؤْمِنُونَ
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 21 | وهبة الزحيلي