تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذّاريات 51 / 56 ] لأن معنى هذا الأمر بالعبادة « 1 » . والإشارة في قوله تعالى :
لِذلِكَ
: إشارة إلى الاختلاف والرّحمة معا في رأي ابن عباس ، واختاره الطّبري ، وقال مجاهد وقتادة :
لِذلِكَ
: إشارة إلى الرّحمة التي تضمّنها قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ
والضّمير في
خَلَقَهُمْ
عائد على المرحومين .
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ . .
أي سبق في قضاء اللّه وقدره لعلمه التّام وحكمته النّافذة أن ممن خلقه من يستحق الجنّة ، ومنهم من يستحق النّار ، وأنه لا بدّ أن يملأ جهنّم من هذين الثّقلين : الجنّ والإنس ، وهم الذين لا يهتدون بما أرسل اللّه به الرّسل من الآيات والأحكام . قال ابن عباس : خلقهم فريقين : فريقا يرحم فلا يختلف ، وفريقا لا يرحم فيختلف ، فذلك قوله تعالى :
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
. وقوله تعالى :
مِنَ الْجِنَّةِ
مَنْ
: لبيان الجنس ، أي من جنس الجنّة وجنس النّاس . . وقوله تعالى :
أَجْمَعِينَ
تأكيد . وفي الصّحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « اختصمت الجنّة والنّار ، فقالت الجنّة : مالي لا يدخلني إلا ضعفاء النّاس وسقطهم « 2 » ، وقالت النّار : أوثرت بالمتكبّرين والمتجبّرين ، فقال اللّه عزّ وجلّ للجنّة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ، وقال للنّار : أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء ، ولكلّ واحدة منكما ملؤها ، فأما الجنّة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ اللّه لها خلقا يسكن فضل الجنّة ، وأما النّار فلا تزال تقول : هل من مزيد ، حتى يضع لها ربّ العزّة قدمه ، فتقول : قط قط « 3 » ، وعزّتك » .
هامش
( 1 ) البحر المحيط : 5 / 273 ( 2 ) السّقط : رديء المتاع . ( 3 ) قط بمعنى حسب ، وهو الاكتفاء . والقطّ : الكتاب والصّكّ بالجائزة ، ومنه قوله تعالى :عَجِّلْ لَنا قِطَّنا.
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 180 | وهبة الزحيلي