تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وبعد أن بيّن اللّه تعالى أن المنافقين يموتون كفارا ، أوضح أنهم يتعرضون أيضا لعذاب الدنيا كل عام مرة أو مرتين ، فقال : أو لا يرى هؤلاء المنافقون أنهم يختبرون كل عام مرة أو مرتين بأنواع الاختبار العديدة من جهاد وقحط ومرض وهي التي تذكّر الإنسان باللّه ، وتجعله ميالا إلى الإيمان وترك الكفر والتمييز بين الحق والباطل . ثم إنهم مع توالي الاختبارات لا يتوبون من ذنوبهم السابقة ، ولا يتعظون فيما يستقبل من أحوالهم ، مما يجعلهم غير مستعدين لقبول الإيمان . وإذا أنزلت سورة قرآنية على النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وهم جلوس عنده ، تلفتوا وتغامزوا بالعيون وتهكموا لفساد قلوبهم ، وعزموا على الهروب ، قائلين : هل يراكم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أو المؤمنون إذا خرجتم ؟ ثم انصرفوا جميعا عن مجلس النبي صلى اللّه عليه وسلّم أي تولوا عن الحق ، فهذا حالهم في الدنيا لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه ، كقوله تعالى :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ . كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ . فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
[ المدثر 74 / 49 - 51 ] وقوله :
فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ . عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ
[ المعارج 70 / 36 - 37 ] أي ما لهؤلاء القوم يخرجون مسرعين ، هروبا من الحق ، وذهابا إلى الباطل . صرف اللّه قلوبهم عن الحق والإيمان وعن الخير والنور . وهذا إما دعاء عليهم به أو إخبار عن أحوالهم . ذلك الصرف بسبب أنهم قوم لا يفهمون الآيات التي يسمعونها ، ولا يريدون فهمها ، ولا يتدبرون فيها حتى يفقهوا ، بل هم في شغل عن الفهم ونفور منه ، كقوله تعالى :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
[ الصف 61 / 5 ] .