تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
وموضوع الآيات كيفية إغراق فرعون وجنوده ، فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر مع موسى عليه السّلام ، وهم فيما قيل : ست مائة ألف مقاتل سوى الذرية ، وقد كانوا استعاروا من القبط حليا كثيرا ، فخرجوا به معهم ، فاشتد حنق فرعون عليهم ، فركب وراءهم مع جنوده وجيوشه الهائلة ، فلحقوهم وقت شروق الشمس عند ساحل البحر ( البحر الأحمر - بحر السويس ) فخاف أصحاب موسى عليه السّلام ، وإذا ضاق الأمر اتسع ، فأمره اللّه تعالى أن يضرب البحر بعصاه ، فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، أي كالجبل العظيم ، وصار اثني عشر طريقا لكل سبط واحد ، وأمر اللّه الريح فنشفت أرضه ، وجاوزت بنو إسرائيل البحر ، فلما خرج آخرهم منه ، انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى ، فلما رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهمّ بالرجوع ، ثم صمّم على المتابعة وقال لأمرائه : ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا ، فاقتحموا كلهم عن آخرهم ، ولما أصبحوا في وسط البحر ، أمر اللّه القدير البحر أن يرتطم عليهم فارتطم عليهم ، فلم ينج منهم أحد ، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم ، وتراكمت الأمواج فوق فرعون ، وغشيته سكرات الموت فقال وهو كذلك :
آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فآمن حيث لا ينفعه الإيمان ، كقوله تعالى :
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا : آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ . فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ، سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ ، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ
[ غافر 40 / 84 - 85 ] . ولهذا قال اللّه تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال :
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
أي أهذا الوقت تؤمن ، وقد عصيت اللّه قبل هذا ؟
وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
أي في الأرض من الذين أضلوا الناس . هذه القصة من أسرار الغيب التي أعلم اللّه بها رسوله صلى اللّه عليه وسلّم .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 256 | وهبة الزحيلي