تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
يتوهم السطحيون ، وإنما السعادة بالإيمان وطمأنينة القلب وتعمير الدنيا بالعمل الصالح للآخرة ! ! ما أشقى هؤلاء الكفار قاطبة في كل مكان وزمان ، وليتهم اعتبروا بالعبر والعظات بمن سبقهم في التاريخ ! ! لقد اشتد إيذاء المشركين للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمؤمنين ، وقاتلوهم قتالا عنيفا ، وصادروا أموالهم في مكة ، فما ذا كانت النتيجة ؟ هل حصدوا خيرا أم جنوا شرا وسوءا ؟ إنهم قتلوا في بدر أشد قتلة ، وضربوا قبل نزع أرواحهم بشدة وعنف أشد ضربة . ولو انكشف لنا حالهم أثناء تعذيب الملائكة لهم لرأينا العجب العجاب . قال الحسن البصري : إن رجلا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : يا رسول اللّه ، إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشّراك « 1 » ؟ قال : ذلك ضرب الملائكة . ثم إنهم يذوقون في عذاب النار أشد العذاب ، والذوق حسي ومعنوي . وليس تعذيبهم في الدنيا والآخرة ظلما أو جورا ، فليس اللّه بظلام للعبيد ، بعد أن أوضح السبيل وبعث الرسل ، وأنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع ، فما عليهم إلا أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ، ويعدلوا عن الكفر ، فإذا بقوا في الفسق والكفر ، فقد غيروا نعمة اللّه على أنفسهم ، فاستحقوا تبديل النعمة بالنقمة ، والمنحة بالمحنة . وهذا أدل شيء على أنه تعالى لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة ، والذي يفعله لا يكون إلا جزاء على معاص من أنفسهم ، ولو كان تعالى خلقهم وخلق أجسامهم وعقولهم ابتداء للنار ، كما يزعم بعضهم ، لما وافق ذلك عدل اللّه وحكمته ورحمته .
هامش
( 1 ) الشراك : سير النعل ، جمع أشرك .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 40 | وهبة الزحيلي