( الآبار غير المبنية ) ثم نبني عليها حوضا ، فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : لقد أشرت بالرأي ، وفعلوا ذلك .
قال ابن كثير : وأحسن ما في هذا ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي رحمه اللّه عن عروة بن الزبير قال : بعث اللّه السماء ، وكان الوادي دهسا « 1 » ، فأصاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه ما لبّد لهم الأرض ، ولم يمنعهم من المسير ، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه .
وأرى أن النص القرآني يوافق هذه الرواية التي استحسنها ابن كثير وسار عليها جمهور المفسرين كالطبري والزمخشري والرازي وغيرهم . وذكر البيضاوي رواية تؤيد ذلك فقال : روي أنهم نزلوا في كثيب أعفر تسوخ في الأقدام على غير ماء ، وناموا ، فاحتلم أكثرهم ، وقد غلب المشركون على الماء ، فوسوس إليهم الشيطان ، وقال : كيف تنصرون ، وقد غلبتم على الماء ، وأنتم تصلون محدثين مجنبين وتزعمون أنكم أولياء الله ، وفيكم رسوله ؟ فأشفقوا ، فأنزل اللّه المطر ، فمطروا ليلا ، حتى جرى الوادي ، واتخذوا الحياض على عدوته ( جانبه ) وسقوا الرّكاب ، واغتسلوا وتوضؤوا ، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو ، حتى ثبتت عليه الأقدام ، وزالت الوسوسة . ثم ذكر البيضاوي معنى قوله :
لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ
أي بالوثوق بلطف اللّه بهم ، و
يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ
أي بالمطر حتى لا تسوخ في الرمل ، أو بالربط على القلوب حتى تثبت في المعركة .
والأصح الذي ذكره القرطبي عن ابن إسحاق في سيرته وغيره ، وهو الذي يوفق به بين الروايات : أن الأحوال التي صاحبت نزول المطر كانت قبل وصولهم إلى بدر « 2 » .
هامش
( 1 ) الدهس : الرمل الذي تسوخ فيه الأرجل .
( 2 ) تفسير القرطبي : 7 / 373 .