تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
يفعلها . وهذا يدل على أنها أمر مناقض للفطرة . وقوله :
ما سَبَقَكُمْ بِها
الباء للتعدية . وقوله
مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ
من الأولى زائدة لتوكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق ، والثانية للتبعيض . إنكم تأتون الرجال في أدبارهم وتدعون الزواج بالنساء في أقبالهن ، أي إنكم عدلتم عن النساء وما خلق لكم ربكم منهن ، إلى إتيان الرجال ، وهذا شذوذ وإسراف منكم وجهل ؛ لأنه وضع الشيء في غير محله ، ولهذا قال لهم في الآية الأخرى :
هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
[ الحجر 15 / 71 ] . فأرشدهم إلى جنس النساء ، فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن . وقوله :
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ
بيان لقوله :
تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ
. وفي هذا تقريع لهم وتوبيخ شديد ، وقوله :
مِنْ دُونِ النِّساءِ
إشارة إلى أنهم تجاوزوا النساء ، وهن محل قضاء الشهوة عند ذوي الفطر السليمة .
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
أي إنكم لا تأتون الفاحشة ثم تندمون على فعلها ، بل إنكم قوم عادتكم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء ، فمن ثم أسرفوا في حال قضاء الشهوة ، حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد ، ونحوه قوله تعالى :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
[ الشعراء 26 / 166 ] أي في جمعكم إلى الشرك هذه الفاحشة . ووصفهم بصفة أخرى في سورة النمل :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
[ 55 ] . وفي هذا دليل على إسرافهم في اللذات ، وتجاوزهم حدود العقل والفطرة ، وجهالتهم عواقب الأمور ؛ إذ أنهم لا يقدرون ضرر ذلك على الصحة ، وما يحدثه من مرض ثبت في العصر الحديث أنه مميت . وما كان جوابهم عن هذا الإنكار والنصح شيئا مقنعا ، أو رجوعا عن الخطأ والضلال وإنكار الفاحشة وتعظيم أمرها ، وإنما هموا بإخراج لوط ونفيه ومن معه
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 283 | وهبة الزحيلي