تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ
أي ما زال يخدعهما ويغريهما بالترغيب في الأكل من الشجرة ، وبالوعد ، وبالقسم بالأيمان المغلّظة ، حتى نسيا أن اللّه أخبرهما أنه عدو لهما ، وتمكن من زحزحتهما وإسقاطهما من منزلتهما عند اللّه بسبب طاعتهما ، بما غرهما به من اليمين وزيّن لهما ، كما قال تعالى :
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ ، فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
[ طه 20 / 115 ] . ومعنى
فَدَلَّاهُما
فنزلهما إلى الأكل من الشجرة بما غرهما به من القسم باللّه . فلما ذاقا ثمرة الشجرة ، ظهرت عوراتهما ، وزال النور عنهما ، وشرعا يجعلان ورقة على ورقة من ورق أشجار الجنة العريض لستر العورة . وناداهما ربهما معاتبا لهما وموبخا بقوله :
أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ
أي ألم أنهكما من الاقتراب من هذه الشجرة والأكل منها ، وأقل لكما : إن الشيطان ظاهر العداوة لكما ، فإن أطعتماه أخرجكما من دار النعيم وهي الجنة إلى دار الدنيا وهي دار الشقاء والتعب في الحياة ، فاحذروا الشيطان كما قال :
فَقُلْنا : يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ، فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ ، فَتَشْقى
[ طه 20 / 117 ] .
قالا : رَبَّنا ظَلَمْنا . .
أي قالا : ربنا إننا ظلمنا أنفسنا بمخالفة أمرك وطاعة الشيطان عدوك وعدونا ، وإن لم تستر ذنبنا وترض عنا وتقبل توبتنا ، لنكونن من الذين خسروا الدنيا والآخرة :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ، فَتابَ عَلَيْهِ ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
[ البقرة 2 / 37 ] . ثم خاطب اللّه آدم وحواء وإبليس بقوله :
قالَ : اهْبِطُوا . .
أي أنزلوا من هذه الجنة ، بعضكم عدو لبعض ، يعني أن العداوة ثابتة بين الجن والإنس لا تزول البتة ، فإبليس يعاديهما أي آدم وحواء وهما يعاديانه . فعلى الإنسان أن يحذر من وساوس الشيطان ، كما قال تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ، فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ
[ فاطر 35 / 6 ] .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 164 | وهبة الزحيلي