تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
والمراد بالسؤال حينئذ تقريع الكفار وتوبيخهم ، فلما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين ، سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير . والتوفيق أو الجمع بين قوله :
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
وبين قوله :
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
[ الرحمن 55 / 39 ] وقوله :
وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
[ القصص 28 / 78 ] : هو أن ليوم القيامة مواقف وأحوالا متعددة ، فقد يكون السؤال والجواب في بعضها دون بعض ، وقد يكون السؤال لأجل الاسترشاد والاستفادة ، وقد يكون لأجل التوبيخ والإهانة . وقال الرازي : إن القوم لا يسألون عن الأعمال ؛ لأن الكتب مشتملة عليها ، ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال ، وعن الصوارف التي صرفتهم عنها « 1 » ، أي الموانع التي حالت بينهم وبين التزام الأحكام الشرعية . فلنخبرن عن علم ومعرفة وإحاطة تامة الرسل وأقوامهم بكل ما حدث منهم ، فلا يغيب عنا شيء قليل أو كثير ، وإن كان مثقال ذرة من خردل في صخرة أو في السماوات أو في الأرض . قال ابن عباس في آية :
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ
: يوضع الكتاب يوم القيامة ، فيتكلم بما كان يعملون .
وَما كُنَّا غائِبِينَ
عنهم في وقت أو حال ، بل كنا معهم نسمع قولهم ، ونبصر فعلهم ، ونعلم ما يسرون وما يعلنون ، ونخبر العباد يوم القيامة بمنا قالوا وبما عملوا من قليل وكثير ، وجليل وحقير ؛ لأنه تعالى الشهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ، ولا يغفل عن شيء ، بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ، كما قال :
وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ
هامش
( 1 ) تفسير الرازي : 14 / 23
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 144 | وهبة الزحيلي