تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
بالتوالد والتزاوج ، كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً
[ النساء 4 / 1 ] . وإنشاء جميع البشر من نفس واحدة يدل على قدرة اللّه تعالى وعلمه وحكمته ووحدانيته ، كما يوجب شكر النعمة ، ويرشد إلى وحدة الأصل والنوع الإنساني ، مما يقتضي وجوب التعارف والتعاون بين الناس ؛ لأنهم من أصل واحد وأب واحد ، فهم إخوة ، وما على الإخوة إلا التآلف ، لا التناحر والتقاتل . ثم بيّن اللّه تعالى كيفية تسلسل البشر والولادة في وقت معين لا يعلمه إلا اللّه فقال :
فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ
أي لكم موضع استقرار في الأرحام ، وموضع استيداع في الأصلاب ، أو مستقر في الأرض ، ومستودع تحتها ، أو مستقر في الدنيا ومستودع حيث يموت ، أو فمنكم مستقر ومنكم مستودع . قد بينا آيات سنن الخلق الدالة على قدرتنا وإرادتنا ، وعلمنا وحكمتنا ، وفضلنا ورحمتنا ، لقوم يفقهون ما يتلى عليهم ، ويعون كلام اللّه ، ويدركون معناه ودقائقه . وعبر بالعلم مع ذكر النجوم ، وبالفقه مع ذكر إنشاء بني آدم ، لأن استخلاص الحكمة من خلق البشر من نفس واحدة ، وتصريفهم في أحوال مختلفة يحتاج إلى دقة نظر ، وعمق فهم وفطنة ، وهذا هو معنى الفقه ، فكان ذلك مطابقا للحال . أما العلم بمواقع النجوم والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر ، فلا يتوقف على دقة النظر ، وعمق الفكر ، وإنما يكفي فيها وفي كل الأمور الفلكية شيء من المعرفة والخبرة والمشاهدة الظاهرية المعتمدة على الملاحظة والبصر . ثم ذكر تعالى آية من آيات التكوين في النبات وهي إنزال الماء من السماء
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 308 | وهبة الزحيلي