تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
أي الجميع حاصل بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف ، الغالب على أمره ، العليم بكل شيء ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، والمقدّر له بموجب الحكمة :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
[ القمر 54 / 49 ] . ويلاحظ أن اللّه تعالى يذكر كثيرا خلق الليل والنهار والشمس والقمر ، ثم يختم الكلام بالعزة والعلم . ثم أوضح تعالى فائدة النجوم ، فقال :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ . .
أي أوجد النجوم وهي ما عدا الشمس والقمر من النّيرات للاهتداء بها في الأسفار ، فيستدل بها الإنسان على الطرق ، ويأمن من الضياع ، وينجو من الخطأ والحيرة . والنجوم كما يذكر الفلكيون تعد بالملايين ، وما اكتشف منها أقل بكثير مما لم يكتشف . ونظرا لما في عالم السماء من العظمة والدقة في النظام وإبداع الصنع ، ختم اللّه تعالى الآية بقوله :
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
أي بينا لكم الآيات القرآنية والآيات التكوينية لأهل العلم والنظر الذين يدركون سر عظمة هذه الآيات ، ويستدلون بها على وجود اللّه وقدرته ووحدانيته وعلمه ، فإن كان المراد بالآيات آيات التنزيل فالمعنى أن هذه الآيات وأمثالها نوضحها لأهل الفكر والعلم والنظر ، فيزدادون بها بحثا وعلما وإيمانا . وإن كان المراد بها آيات التكوين ، فالمعنى أن هذه الآيات يبينها اللّه ليستدل بها العلماء على عظمة اللّه تعالى ، ولا يدرك سر هذه الآيات غير العلماء كما قال تعالى :
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
[ الحشر 59 / 2 ] . وبعد بيان آيات اللّه في الأرض والسماء ، ذكر تعالى آياته في الأنفس ، فقال :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ . . .
أي أن اللّه تعالى خلقكم في الأصل من نفس واحدة هي آدم عليه السلام وهو الإنسان الأول الذي تناسل منه سائر البشر
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 307 | وهبة الزحيلي