تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣

التفسير والبيان :

يذكر اللّه تعالى حال الكفار إذا تبينوا يوم القيامة وعرفوا النار ، وشاهدوا أهوالها وفظائعها ، فلو رأيتهم أيها السامع وما بهم من هول وفزع لرأيت عجبا يصعب وصفه ، حين تعرضهم ملائكة العذاب على النار ، ثم يدخلونها ويعاينون شدتها ، فيندمون ويتمنون العودة إلى الدنيا قائلين :
يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا . . .
أي يا ليتنا نرجع إلى الحياة الدنيا ، ولا نكذب بآيات اللّه وحججه الدالة على وحدانيته وصدق رسله ، ونؤمن باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين ، ونتوب من ذنوبنا ، ونعمل صالحا يرضي اللّه سبحانه . فرد اللّه عليهم بقوله
بَلْ
للإضراب الإبطالي لهذا التمني ، وللإضراب عن إرادة الإيمان ، فحالهم لم تتغير ، وإنما ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة ، وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة ، وتظهر حقيقتهم ؛ لأنهم كانوا يخفون الكفر ولا يبدونه ، أما المؤمن الحقيقي فيعلن إيمانه ولا يكتمه ، ويتحملون عاقبة كفرهم من العقاب الشديد ، كما قال تعالى :
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ
[ الحاقة 69 / 18 ] فهي لا تخفى على أنفسهم ولا على ربهم ، وقال تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ . وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
[ الزمر 39 / 47 - 48 ] . ثم كذّبهم اللّه صراحة في هذا الندم أو التمني ، فقال :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا . . .
أي لو ردّوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما نهاهم اللّه عنه من الكفر والعناد والنفاق والمعاصي ، فإن العصيان مستقر في أنفسهم ، فديدنهم العناد ، وطبعهم الكذب ، ولو ردّوا إلى الدنيا لأنكروا مرة أخرى البعث والحساب والجزاء ، وأقروا بحياة الدنيا ولم يؤمنوا بالآخرة ، وقالوا : ما هي إلا حياتنا الدنيا فقط ، نعيش ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ، ولا ثواب ولا عقاب في الآخرة ، بل لا
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 173 | وهبة الزحيلي