تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
والغرض من هذا وعظ أهل مكّة وتحذيرهم أن يصيبهم من العذاب والنّكال الدّنيوي ما حلّ بأشباههم ونظرائهم من القرون السّالفة ، الذين كانوا أشدّ منهم قوّة وأكثر جمعا ، وأكثر أموالا وأولادا ، واستعلاء في الأرض وعمارة لها .

فقه الحياة أو الأحكام :

موقف الكفار من دعوات الأنبياء للإصلاح يتميّز بالإعراض والعناد ، ويهمل العقل والفكر ، ويقوم على التّهكّم والاستهزاء ، وهذا ليس من سمات الرّجال العقلاء الذين يعتمدون على تقليد الأسلاف بدون رويّة ولا تفكّر . من مظاهر هذا الموقف : تركهم النظر في الآيات التي يجب أن يستدلّوا بها على توحيد اللّه جلّ وعزّ من خلق السّموات والأرض وما بينهما ، سواء أكانت الآية قرآنية ، أم معجزة من معجزات النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم التي أيّده اللّه بها ، ليستدلّ بها على صدقه في جميع ما أتى به ، كانشقاق القمر ونحوه ، أم حجّة وبرهانا من الكون يرشد إلى ضرورة الاعتراف والإيمان بوجود إله واحد قديم حيّ غني عن جميع الأشياء ، قادر لا يعجزه شيء ، عالم لا يخفى عليه شيء من أحوال الأنبياء ومواقف أقوامهم منهم وغير ذلك . ومن مظاهر موقفهم أيضا : تكذيبهم مشركي مكّة بالحقّ الثّابت من عند اللّه وهو القرآن وإرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ولكن اللّه تعالى توعّدهم بالعقاب وأنذرهم بالعذاب ، فأمر نبيّه بالصّبر ، وسوف يأتيهم أخبار استهزائهم وهو العذاب الذي سينزل بهم في الدّنيا كيوم بدر ، والعذاب المنتظر لهم يوم القيامة . وذكّرهم الحقّ تعالى بأحوال من قبلهم ، فقال :
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا . . .
أي ألا يعتبرون بمن أهلك اللّه من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم ، والمعنى : ألم يعرفوا ذلك ، فاللّه تعالى أمرهم بكلّ أسباب القوّة والسّعة والتّمكّن في الأرض أكثر مما مكّن لأهل مكّة من الأموال والأولاد والأعمار والجاه العريض والسّعة
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 140 | وهبة الزحيلي