تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
له مع كفره ، فالملك ملكك ولا اعتراض لأحد عليك ، وأنت القوي القادر على الثواب والعقاب ، الحكيم الذي لا تجازي إلا بحكمة وصواب . وهنا تساؤل : كيف جاز لعيسى عليه السّلام أن يقول :
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ
واللّه لا يغفر الشرك ؟ والجواب : أن المقصود من قوله تفويض الأمور كلها إلى اللّه ، يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، لا رادّ لقضائه ، ولا معقّب لحكمه ، وترك التّعرّض والاعتراض بالكليّة . وأما قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
فهو تقرير للواقع الذي دل عليه الدليل السمعي شرعا ، وإن كان يجوز عقلا في رأي أهل السنة المغفرة للمسيء وتعذيب الطائع ، بحسب الإرادة والمشيئة المطلقة . وأما المعتزلة فيقولون : إن العقاب حق اللّه على المذنب ، وليس في إسقاطه مضرة على اللّه . ودل كلام عيسى على أنه لا يتضمن شيئا من الشفاعة لأتباعه ؛ لأن الشفاعة لا ينالها أحد يشرك باللّه شيئا . وختم اللّه تعالى السورة وهذا النقاش بقوله :
قالَ اللَّهُ : هذا يَوْمُ
أي إن هذا وهو يوم القيامة هو اليوم الذي ينفع فيه صدق الصادقين في إيمانهم وشهاداتهم وسائر أقوالهم وأفعالهم في الدنيا . وجزاء الصادقين جنات تجري من تحتها الأنهار أي من تحت غرفها وأشجارها ، خالدين وماكثين فيها أبدا ، ثوابا من عند اللّه ، وأنه راض عنهم رضا لا يغضب بعده أبدا ، وهم راضون عن الجزاء الذي أثابهم به ، ذلك الظفر هو الظفر العظيم الذي عظم خيره وكثر ، وارتفعت منزلة صاحبه وشرف . ثم ذكر تعالى ما يناسب دعوى النصارى أن عيسى إله ، فأخبر تعالى أن
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 123 | وهبة الزحيلي