التفسير والبيان :
هذه الآيات تصوّر مناقشة وسؤالا يتضمّن تهديد النّصارى وتوبيخهم وتقريعهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة . والخطاب في ذلك للنّبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
اذكر يا محمد للناس يوم الحشر الذي يوجّه اللّه فيه السؤال لعيسى قائلا له :
أأنت قلت للناس : اتّخذوني مع أمي إلهين من دون اللّه ، أي متجاوزين بذلك توحيد اللّه إلى القول بالشرك : وهو اتّخاذ إله أو أكثر مع اللّه تعالى ، سواء اعتقد المشرك أن الشريك يضرّ وينفع مستقلّا بذلك ، أو بإقدار اللّه إيّاه وتفويضه الأمر إليه ، أو بالوساطة عند اللّه بماله من التّأثير والكرامة ، كما قال تعالى حاكيا فعلهم :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ، وَيَقُولُونَ : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس 10 / 18 ] ، وقال :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ، ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزّمر 39 / 3 ] .
وهذا السؤال ليس استفهاما وإن خرج مخرج الاستفهام ، وإنما هو توبيخ لمن ادّعى ألوهيّة عيسى ، ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التّكذيب ، وأشدّ في التوبيخ والتّقريع ، أو لتعريفه أن قومه غيّروا بعده ، وادّعوا عليه ما لم يقله .
والآية ترشد إلى أنهم اتّخذوا مريم وابنها إلهين ، لعبادتهم لها ، وتقديسهم إيّاها ، ولقولهم : إنها لم تلد بشرا ، وإنما ولدت إلها ، فلأجل البعضية صارت بمثابة من ولدته ، ويجعلها بعضهم أحد الأقانيم الثلاثة : الأب والابن والرّوح القدس .
فأجاب عيسى بتلقي الحجة من اللّه :
سُبْحانَكَ
أي أنزهك عما لا يليق بك ، وعن أن يكون معك إله آخر ، فأثبت له التّنزيه عن المشاركة في الذّات والصّفات وعما أضيف إليه ، وأبان أنه خاضع لعزّته ، خائف من سطوته .
ثم برّأ نفسه عن القول الباطل فقال : ليس من شأني ولا مما يصحّ أن يقع منّي أن أقول قولا لا حقّ لي بقوله ، ثم أكّد النّفي القاطع بأن ذلك القول إن كان قد