فعليكم أن تلزموا الزوّاج بواحدة ، فإن الذي يباح له التعدّد هو من يثق بنفسه بتحقيق العدل المأمور به صراحة في قوله تعالى :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ
[ النساء 4 / 129 ] . وقد يحمل هذا على العدل في ميل القلب ، ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجا عدم جواز التعدّد بوجه ما .
والخوف من عدم العدل يشمل حال الظنّ والشّك في ذلك . فإما أن تقتصروا على واحدة من الحرائر أو تقتصروا على الاستمتاع بما تشاؤون من الإماء ( السّراري ) بطريق التّسري لا بطريق النكاح لعدم وجوب العدل بينهن ، وإنما المطلوب فقط حقّ الكفاية في نفقة المعيشة بحسب العرف .
ذلك أي اختيار الواحدة أو التّسري أقرب إلى الوقوع في عدم الجور والظلم ، فالمراد من قوله :
أَلَّا تَعُولُوا
ألا تجوروا . وحكي عن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه أنه فسّر
أَلَّا تَعُولُوا
بألا تكثر عيالكم ، نقل الكسائي والأصمعي والأزهري عن فصحاء العرب : عال يعول : إذا كثرت عياله .
والخلاصة : إن البعد عن الجور سبب في تشريع الاقتصار على واحدة أو على التّسري ، وفيه إشارة إلى اشتراط العدل بين الزوجات . والعدل المطلوب بين النساء هو العدل المادي أي القسم بينهن في المبيت ، والتّسوية في نفقات المعيشة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن . أما العدل المعنوي أو الأمر القلبي وهو الميل والحبّ فغير مطلوب ؛ لأنه ليس في وسع الإنسان ولا يدخل في حدود طاقته . لذا كان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي كان يميل إلى عائشة أكثر من غيرها
يقول فيما ذكرته السنن عن عائشة : « اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تؤاخذني فيما لا أملك »
أي من ميل القلب .
وإذا خاف الشخص عدم العدل حرم عليه أن يتزوّج أكثر من واحدة .
ثم خاطب اللّه الأزواج فأمرهم بإعطاء الزّوجات مهورهن عن طيب نفس دون تلكؤ ، رمزا للمودّة التي تقوم بين الزّوجين ، وعنوانا على المحبة وتكريم