تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
والغرض من الآية تكذيب أهل الكتاب الذين يعظمون عيسى والعزير تعظيم عبادة .

التفسير والبيان :

لا ينبغي لبشر ينزل اللّه عليه الكتاب ، ويعلمه الحكمة : فقه الدين ومعرفة أسرار الشرع ، ويؤتيه النبوة والرسالة ، ثم يقول بعد هذا للناس : اعبدوني من دون اللّه أي متجاوزين ما يجب من إفراد العبادة للّه تعالى ، فهذا هو الشرك بعينه ، وإنما يجب إخلاص العبادة للّه وحده ، كما قال :
قُلِ : اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي
[ الزمر 39 / 14 ] . و روى مسلم وغيره حديثا قدسيا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه غيري ، تركته وشركه » و في رواية : « فأنا منه بريء ، هو للذي عمله » . و روى أحمد عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا جمع اللّه الناس يوم القيامة نادى مناد : من أشرك في عمل عمله للّه أحدا ، فليطلب ثوابه من عند غير اللّه ، فإن اللّه أغنى الشركاء عن الشرك » . ولكن يقول الرسول للناس : كونوا ربانيين أي علماء فقهاء عاملين بما أمر اللّه ، مطيعين له طاعة تامة ؛ لأن العلم الصحيح هو الذي يبعث على العمل ، وإن تعلم الكتاب الإلهي ودراسته يوجب الطاعة ، ويحقق وصف الرباني . ولا يعقل أن يأمر الرسول باتخاذ إله أو رب غير اللّه ، أو بعبادة أحد غير اللّه ، لا نبي مرسل ولا ملك مقرّب . وقد كان مشركو العرب يعبدون الملائكة ، وحكى القرآن :
وَقالَتِ الْيَهُودُ : عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ، وَقالَتِ النَّصارى : الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
[ التوبة 9 / 30 ] . وهذا كله مخالف لرسالات الأنبياء التي تأمر بعبادة اللّه وحده . أيأمركم هذا النبي بالكفر بعد الإسلام ، وهذه شهادة لهم بأنهم مسلمون ، أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير اللّه ، ومن دعا إلى عبادة غير اللّه فقد دعا