تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩

فقه الحياة أو الأحكام :

أخبر اللّه تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين ، والمؤمنون لا يستطيعون التمييز بينهم ، فعليهم اجتناب جميعهم . وخصّ أهل الكتاب بالذكر ، وإن كان المؤمنون كذلك ؛ لأن الخيانة فيهم أكثر ، فخرج الكلام على الغالب . والأمين لا فرق عنده بين الكثير والقليل ، فمن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى ، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر . واستدل أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغريم ( المدين ) بقوله تعالى :
إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
وأباه سائر العلماء . والأمانة عظيمة القدر في الدّين ، ومن عظم قدرها أنها تقوم هي والرّحم على جنبتي الصراط ، كما في صحيح مسلم ، فلا يمكّن من العبور بسلام إلا من حفظهما . وليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم ، في رأي المالكية ، خلافا لمن ذهب إلى ذلك ؛ لأن فسّاق المسلمين يوجد فيهم من يؤدّي الأمانة ، ويؤمن على المال الكثير ، ولا يكونون بذلك عدولا ، فطريق العدالة وقبول الشهادة لا يدل عليه أداء الأمانة في المال في التعامل والوديعة . ولا يوجد في شرع اللّه مطلقا التفريق في أداء الحقوق والأمانات بين المؤمن وغيره ؛ لأن الحق مقدس ، لا تتأثر صفته بشخص مستحقه ، أما اليهود فلم يجعلوا الوفاء بالعهد حقا واجبا لذاته . ودلّ قوله تعالى :
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
على أن الكافر ليس أهلا لقبول شهادته ؛ لأن اللّه تعالى وصفه بأنه كذّاب . وفيه ردّ على الكفرة الذين يحرّمون ويحللون غير تحريم اللّه وتحليله ، ويجعلون ذلك من الشرع .