تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
بإحسان : الطلقة الثالثة ، بدليل حديث أبي رزين الأسدي عند أبي داود وغيره ، أنه سأل النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، سمعت اللّه تعالى يقول :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
فأين الثالثة ؟ فقال : أو تسريح بإحسان . ويكون قوله تعالى :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
بيانا لهذا « 1 » . والحكمة من جعل الطلاق مرتين وإثبات حق الرجعة بعد كل من الطلاق الأول والثاني : هو إعطاء الفرصة لإصلاح كل من الزوجين حاله ، لأن الأوضاع تعرف بأضدادها ، فلا يجد المرء مقدار النعمة ولذتها حتى يذوق طعم النقمة ويشعر بمرارتها ، فقد يكون الرجل عصبي المزاج ، حاد الطبع ، سئ الخلق ، فيتورط في الطلاق ، مرة بعد أخرى ، فتذكره الفرقة ، وما تتركه الزوجة من وحشة وفراغ « 2 » ، وما يتطلبه البيت والأولاد من خدمات ، فيثوب لرشده ، ويحد من سوء خلقه ، ويصلح معاملته لزوجته ، ويعاشرها بالمعروف كما أمر اللّه تعالى . وقد تكون المرأة مهملة حقوق زوجها وبيتها وأولادها ، مترفعة سادرة « 3 » في كبريائها ، فإذا أحست بألم الفرقة ، ووحشة الطلاق ، وأدركت أخطاءها ، عادت إلى الحياة الزوجية بوجه جديد ، وسلوك أفضل من السابق .
هامش
( 1 ) قال ابن عطية : ويقوى هذا القول عندي من ثلاثة وجوه : أولها - هذا الحديث ، والثاني - أن التسريح من ألفاظ الطلاق ، والثالث - أن فعّل تفعيلا ، هذا التضعيف يعطي أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية ، وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل ( البحر المحيط : 2 / 193 - 194 ) . ( 2 ) قال الرازي في تفسيره الكبير ( 6 / 98 ) : الحكمة في إثبات حق الرجعة : أن الإنسان ما دام مع صاحبه لا يدري ، هل تشقّ عليه المفارقة أو لا ؟ فإذا فارقه ، فعند ذلك يظهر ، فلو جعل اللّه الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع ، لعظمت المشقة على الإنسان ، إذ قد تظهر المنحبة بعد المفارقة ، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة ، أثبت تعالى حق المراجعة مرتين ، وهذا يدل على كمال رحمته تعالى ورأفته بعباده . ( 3 ) السادر : الذي لا يهتم ولا يبالي بما يصنع .