تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[ الإسراء 17 / 12 ] ، وقوله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ، وَالْقَمَرَ نُوراً ، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[ يونس 10 / 5 ] ، وإحصاء الأهلّة شهريا أيسر من إحصاء الأيام . وسمّي الشهر شهرا ، لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ، ويدلون عليه . ويؤيد الآيات أحاديث ، منها ما رواه عبد الرزاق والحاكم عن ابن عمر ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « جعل اللّه الأهلّة مواقيت للناس ، فصوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم ، فعدوا ثلاثين يوما » . والعلم بالآجال أو المدد أمر مشروط في كل العقود كالإجارة والبيع بثمن إلى أجل معلوم ، والسّلم والمساقاة والمزارعة ونحوها . وبهذا يرد على الظاهرية الذين قالوا : تجوز المساقاة إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة ، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غير توقيت . ويجاب عنه : بأن هذا لا دليل فيه ، لأنه عليه الصلاة والسلام قال لليهود : « أقركم فيها ما أقركم اللّه » ، وهذه خصوصية له ، لا يقاس عليه غيره ، فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه . وأجاز الجمهور البيع إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء ونحوه ، لأن الأجل معروف ، وتأخره يسيرا متسامح فيه ، ولم يجز الشافعي ذلك للجهل بالأجل . وقد أفرد اللّه الحج بالذكر ، لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت ، وأنه لا يجوز فيه التأجيل أو النسيء عن وقته ، بخلاف ما كان عليه العرب ، فإنها كانت تحج بالعدد وتبدّل الشهور ، فأبطل اللّه قولهم وفعلهم . واستدل مالك وأبو حنيفة رحمهما اللّه بهذه الآية على أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج ، لأن اللّه تعالى جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك ، فصحّ أن يحرم