تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
اللّه بها على أصولهم ، دليل واضح على وحدة الأمة ، وتكافل أفرادها ، وأن السعادة والشقاوة تعم الجميع من أصول وفروع ، وإن لم يسأل الفرع عما فعل أصله ، لكنه يتضرر بسوء أصله ، وينتفع باستقامة أصله ، كما قال تعالى في تعميم العذاب :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
[ الأنفال 8 / 25 ] ، وقال سبحانه في كنز الغلامين اليتيمين تحت الجدار :
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً
[ الكهف 18 / 82 ] ، فكان صلاح الأب أو الجدّ سببا في صلاح الابن أو الحفيد نفسه ، وفي حفظ المال لذريته ، أي أن الصلاح يفيد في النفس والمال . وفي قوله تعالى :
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ البقرة 2 / 57 ] ، إيماء إلى أن كل ما يأمر به اللّه من عبادة فإنما نفعه لهم ، وما ينهاهم عنه ، فإنما ذلك لدفع ضرّ يقع بهم ، وهو بمعنى قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
[ يونس 10 / 23 ] ، وقوله :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
[ البقرة 2 / 286 ] . أما تفجير الماء من الحجر فكان معجزة لموسى عليه السّلام ، والمعجزات كلها من صنع اللّه ، وهي سنة جديدة غير ما نشاهد من العادات كل يوم ، أما المخترعات العلمية فهي مبنية على السّنن العلمية باستخدام طاقات الكون من الأثير والهواء والنفط والكهرباء وغير ذلك . وكان اللّه قادرا على تفجير الماء وفلق البحر بلا ضرب عصا ، ولكنه جلّت قدرته أراد أن يعلم عباده ربط المسببات بأسبابها ، ليسعوا في الحصول على تلك الأسباب بقدر الطاقة . ومثل ذلك أيضا معجزات عيسى عليه السّلام ، كان اللّه قديرا على أن يخلق الطير من الطين ومن غير الطين ، ولم يكن هناك داع لنفخ الملك في مريم ، لأن طريق القدرة
كُنْ فَيَكُونُ
[ آل عمران 3 / 47 ] ، ولكن شاء اللّه أن تظهر قدرته بطريق التدرّج ، ليتبين الفرق بين الطين والطير بالحياة ، وكان خلق عيسى عليه السّلام من نطفة الأم فقط ، ونفخ الروح كان بإذن اللّه وقدرته :
كُنْ فَيَكُونُ
[ آل عمران 3 / 47 ] وكل ذلك تقريب لفهم المعجزة .