تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
فقال ابن عباس : أول من سكن الأرض الجن ، فأفسدوا فيها ، وسفكوا فيها الدماء ، وقتل بعضهم بعضا ، فبعث اللّه إليهم إبليس في جند من الملائكة ، فقتلهم إبليس ومن معه ، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ، ثم خلق آدم ، فأسكنه إياها ، فلذلك قال : إني جاعل في الأرض خليفة . فعلى هذا القول : إني جاعل في الأرض خليفة عن الجن ، يخلفونهم فيها ، فيسكنونها ويعمرونها ، وليس آدم أول أصناف العقلاء في الأرض . وقال الحسن البصري : في تأويل قوله :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
أي خلفا يخلف بعضهم بعضا ، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم ، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله ، جيلا بعد جيل ، كما قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ
[ الأنعام 6 / 165 ] وقال :
وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ
[ النمل 21 / 62 ] وقال :
وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ
[ الزخرف 43 / 60 ] وقال :
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
[ الأعراف 7 / 169 ] . ومن هو الخليفة ؟ قيل : أريد بالخليفة آدم ، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه ، كما يستغنى بذكر أبي القبيلة في قولك : مضر وهاشم . وقال زيد بن علي : ليس المراد هاهنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط ، كما يقوله طائفة من المفسرين . قال ابن كثير : والظاهر أنه لم يرد آدم عينا ، إذ لو كان ذلك ، لما حسن قول الملائكة :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
فإنهم أرادوا : أن من هذا الجنس من يفعل ذلك ، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص ، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية المخلوقة من صلصال من حمأ مسنون ، أو فهموا من الخليفة : أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ، ويردعهم عن المحارم والمآثم ، أو أنهم قاسوهم على من سبق . والخلاصة : هناك قولان في المراد بالخليفة :