تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
فكانت عليهم الحجة بأقوى مما قامت به المعجزات المادية السابقة مثل عصا موسى ويده في عصر السحر ، وإبراء عيسى الأكمه والأبرص وإحياء الموتى في عصر الطب .

والوجه الثاني

- كان معلوما عند الناس قاطبة : المؤمنين والجاحدين لنبوة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان من أتمّ الناس عقلا ، وأكملهم خلقا ، وأفضلهم رأيا ، فما طعن عليه أحد في كمال عقله ، ووفور حلمه ، وصحة فهمه ، وجودة رأيه ، فلا يجوز على من كان هذا وصفه أن يدّعي النّبوة ، ويجعل علامة نبوته كلاما يقدر كل واحد من العرب على مثله ، فيظهر حينئذ كذبه ، وبطلان دعواه ، فدلّ ذلك على أنه تحداهم بكلام هو من عند اللّه لا يقدر العباد على مثله .

والوجه الثالث

- أخبر تعالى بقوله :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
أنهم لا يعارضونه ، وذلك إخبار بالغيب ، وتحقق الخبر مع مضي الزمان . قال أبو بكر الجصاص « 1 » : وقد تحدى اللّه الخلق كلهم من الجن والإنس بالعجز عن الإتيان بمثل القرآن بقوله تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
[ الإسراء 17 / 88 ] ، فلما ظهر عجزهم قال :
فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ
[ هود 14 / 13 ] ، فلما عجزوا قال :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
[ الطور 52 / 34 ] ، فتحداهم بالإتيان بمثل أقصر سورة منه ، فلما ظهر عجزهم عن ذلك ، وقامت عليهم الحجة ، وأعرضوا عن طريق المحاجة ، وصمموا على القتال والمغالبة ، أمر اللّه نبيه بقتالهم . والخلاصة : أن التحدي كان متنوعا ، مرة بالنظم والمعنى ، ومرة بالنظم دون المعنى ، بافتراء شيء لا معنى له ، وفي كل الأحوال ظهر فشلهم .
هامش
( 1 ) أحكام القرآن : 1 / 29