تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
الشهور ، وليس المراد أنّ ثواب الطاعة في غيرهما ينقص ، وإنّما المراد رفع الحرج عمّا عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم ، لاختصاصهما بالعيدين ، وجواز احتمال وقوع الخطاء فيهما ، ومن ثمّ قال : شهرا عيد ، بعد قوله : شهران لا ينقصان . ولم يقتصر على قوله : رمضان وذو الحجّة . قال ابن حجر : وفي الحديث حجّة لمن قال : إنّ الثواب ليس مرتّبا على وجود المشقّة دائما ، بل للّه أن يتفضّل بإلحاق الناقص بالتامّ في الثواب . واستدلّ بعضهم لمالك في اكتفائه لرمضان بنيّة واحدة ، قال : لأنّه جعل الشهر بجملته عبادة واحدة ، فاكتفي له بالنيّة . وهذا الحديث يقتضي أنّ التسوية في الثواب بين الشهر الناقص والشهر التامّ إنّما هو بالنظر إلى جعل الثواب متعلّقا بالشهر من حيث الجملة ، لا من حيث تفضيل الأيّام « 1 » . * * * تلك كلّ محاولات القوم في توجيه وتأويل حديث تمام رمضان ، علّه يتوافق مع المعقول من كلام صادر عن منبع حكيم ! ولكن هيهات ، وقد قيل قديما : إذا كثر الجواب خفي الصواب ، الأمر الّذي يشي بغمز في أصل الصدور . فلقد كان تركه على عواهنه أولى من ركوب صعاب بلا جدوى ؛ الأمر الّذي تنبّه له علماؤنا الأعلام ، فتركوا التكلّف فيما لا طائل تحته . وسنتعرّض لذلك . هذا وقد صحّ الحديث بأنّ شهر رمضان ينقص ويتمّ كسائر الشهور ، الأمر الّذي يوافق المعقول المشهود ، ويتقدّم - بطبيعة الحال - على حديث مريب . [ 2 / 4930 ] روى أصحاب السنن جميعا بالإسناد إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « إنّ الشهر - شهر رمضان - يكون تسعا وعشرين » . وكذا بالإسناد إلى أمّ سلمة ، وعائشة وسعد بن أبي وقّاص وغيرهم ، عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأطبقوا على ذلك من غير خلاف . وقد عقد مسلم بابا في صحيحه ، ترجمه بباب الشهر يكون تسعا وعشرين « 2 » . وكذا غيره من كتب الصحاح . * * * وهكذا جاء في روايات أصحابنا عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام ، أنّ شهر رمضان ، شهر من الشهور ،
هامش
( 1 ) فتح الباري 4 : 106 - 108 . ( 2 ) مسلم 3 : 125 - 126 .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 553 | الشيخ محمد هادي معرفة