مترفّقا ، ويرقى هضابه « 1 » متدرّجا ، ليستمرّ على تجشّم متاعبه « 2 » ، ويمرن على امتطاء مصاعبه « 3 » .
وشبّه - عليه الصلاة والسّلام - العابد الّذي يحسر منّته ويستنفد طاقته « 4 » ، بالمنبت . وهو الّذي يغذّ السّير ويكدّ الظّهر « 5 » منقطعا من رفقته ، ومنفردا عن صحابته ، فتحسر مطيّته « 6 » ولا يقطع شقّته « 7 » .
قال : وهذا من أحسن التمثيلات وأوقع التشبيهات !
قال : وممّا يقوّي المراد بهذا الخبر ، ما كشفناه من حقيقة الخبر الآخر عنه - عليه الصلاة والسّلام وهو :
[ 2 / 4837 ] فيما رواه بريدة بن الحصيب الأسلمي ، قال : قال - عليه الصلاة والسّلام - : « عليكم هديا قاصدا ، فإنّه من يشادّ هذا الدين يغلبه » « 8 » « 9 » .
قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرما ، واحذر حذر من يتخوّف أن يموت غدا » .
قال العلّامة المجلسيّ : أي تأنّ وارفق ولا تستعجل ، فإنّ من يرجو البقاء طويلا لا يسارع في الفعل كثيرا . أو أنّ من يرجو ذلك لا يتعب نفسه بل يداريها ولا ينهكها بكثرة العمل والازدحام فيه .
فهذا نهي عن الإفراط .
كما ويجب التحذّر عن التفريط والتقصير في العمل ، وعن التسويف في أداء الواجب . علّه يموت غدا ! « 10 »
هامش
( 1 ) هضاب جمع هضبة : الجبل المنبسط على وجه الأرض أو الطويل الممتنع المنفرد . ويقال للأرض المرتفعة المستطيلة :
هضبة . ومراد الشريف هنا هو المرتفع الممتنع الصعود .
( 2 ) أي تحمّل مشاقّه .
( 3 ) يمرن : يتعوّد ويلين له صعوبة الأمر . وامتطأ الدابّة : ركبها .
( 4 ) يحسر من أحسر أي أعيا . والمنّة : القوّة . واستنفد وسعه أي استفرغه .
( 5 ) أغذّ السّير وفي السير . أسرع وألحّ في السير . وكدّ يكدّ الدابّة : أتعبها . والمراد من الظهر هنا الدابّة . أي أتعبها في مداومة السير .
( 6 ) حسر وحسر : كلّ . والمطيّة الدابّة .
( 7 ) الشّقّة - بالكسر والضمّ : المسافة الّتي يشقّها السائر ، أي يقطعها ويطويها في مسيرته .
( 8 ) مسند أحمد 4 : 422 و 5 : 361 ؛ الحاكم 1 : 312 ؛ البيهقي 3 : 18 ؛ مجمع الزوائد 1 : 62 ؛ كنز العمّال 3 : 29 / 5305 ؛ الدرّ 1 : 193 .
( 9 ) المجازات النبويّة : 260 - 261 / 205 ، مؤسسة الحلبي بمصر ، و 244 - 245 / 207 . مؤسسة دار الحديث .
( 10 ) نقلا بتصرّف وتلخيص : مرآة العقول 8 : 111 .