تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
قال ابن عاشور : وليس « شهد » بمعنى « رأى » ؛ لأنّه لا يقال : شهد وإنّما يقال : شاهد . ولا الشهر هنا بمعنى هلاله ، لأنّ الهلال لا يصحّ أن يتعدّى إليه فعل « شهد » بمعنى حضر ! قال : ومن يفهم الآية على ذلك فقد أخطأ خطأ بيّنا ، وهو يفضي إلى أنّ كلّ فرد من الأمّة معلّق وجوب صومه على مشاهدته هلال رمضان ، فمن لم ير الهلال لا يجب عليه الصوم ، وهذا باطل « 1 » . قلت : تعليق وجوب الصوم على الرؤية ، لا يعني الرؤية الشخصيّة ، وإنّما المراد حصول الرؤية وتحقّقها خارجا ، بمعنى ثبوتها واقعا « 2 » ، فعندها يجب الصوم على العموم . وهكذا في كلّ حكم من الأحكام الشرعيّة حيث كان مورد ابتلاء العموم وكانت صبغته صبغة جماعيّة ، وإن كان التكليف المترتّب موجّها إلى آحاد الأفراد . فهناك فرق بين حكم الشارع : إذا رأيتم القذر لطّخ ثوبكم فاغسلوه . أو حكمه : إذا رأيتم الفجر طالعا فصلّوا الغداة . فإنّ الأوّل يخصّ أولئك الّذين تلطّخ ثوبهم بالنجس ولا يتعدّاهم . أمّا الثاني فيعمّ الجميع ، سواء من رأى ومن لم ير ، ويكفي بلوغه الرؤية . * * * على أنّ هناك مسألة أصوليّة فيما إذا أخذ « العلم وقبيله » موضوعا أو شرطا لثبوت حكم شرعيّ ، فإنّ العلم حينذاك قد لحظ طريقا إلى ثبوت الموضوع وليس بنفسه موضوعا . فقول الشارع :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ،
كان المناط : طلوع الفجر ذاته ، أمّا التبيّن فقد أخذ طريقا لإثباته ، ولا موضوعيّة له . وهذا من إفادات سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي - طاب ثراه - وتفصيل الكلام موكول إلى مجاله في علم الأصول . وسنذكر كلامه بشأن مسألة الرؤية هنا . * * * [ 2 / 4790 ] أخرج النسائي بالإسناد إلى عكرمة عن ابن عبّاس قال : « جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال : إنّي أبصرت الهلال الليلة . قال : أتشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه ؟ قال : نعم . قال : يا بلال أذّن في الناس فليصوموا غدا » « 3 » .
هامش
( 1 ) التحرير والتنوير 2 : 172 . ( 2 ) وتكفي إقامة حجّة شرعيّة على ثبوتها من بيّنة أو شهرة قاطعة ، ونحو ذلك . ( 3 ) النسائي 2 : 68 ؛ سنن النسائي 4 : 132 ، باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان .