تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة . قال : ولو عفا عنه لم يكن لأحد من طلبة الحقّ أن يعفو ، لأنّ هذا من الأمر الّذي أنزل اللّه فيه قوله :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
وأولي الأمر منكم « 1 » . [ 2 / 4492 ] وعن الحسن في رجل قتل فأخذت منه الدية ، ثمّ إن وليّه قتل به القاتل ، قال الحسن : تؤخذ منه الدية الّتي أخذ ولا يقتل به . قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بقوله :
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
تأويل من قال : فمن اعتدى بعد أخذه الدية ، فقتل قاتل وليّه ، فله عذاب أليم في عاجل الدنيا وهو القتل ؛ لأنّ اللّه تعالى جعل لكلّ وليّ قتيل قتل ظلما سلطانا على قاتل وليّه ، فقال تعالى ذكره :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
« 2 » . فإذ كان ذلك كذلك وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أنّ من قتل قاتل وليّه بعد عفوه عنه وأخذه منه دية قتيله أنّه بقتله إيّاه له ظالم في قتله ، كان بيّنا أن لا يولّي من قتله ظلما كذلك السلطان عليه في القصاص والعفو وأخذ الدية ، أيّ ذلك شاء . وإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أنّ ذلك عذابه ، لأنّ من أقيم عليه حدّه في الدنيا كان ذلك عقوبته من ذنبه ولم يكن به متّبعا في الآخرة ، على ما قد ثبت به الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 3 » . وأمّا ما قاله ابن جريج من أنّ حكم من قتل قاتل وليّه بعد عفوه عنه وأخذه دية وليّه المقتول إلى الإمام دون أولياء المقتول ، فقول خلاف لما دلّ عليه ظاهر كتاب اللّه وأجمع عليه علماء الأمّة . وذلك أنّ اللّه جعل لوليّ كلّ مقتول ظلما السلطان دون غيره من غير أن يخصّ من ذلك قتيلا دون قتيل ، فسواء كان ذلك قتيل ولي من قتله أو غيره . ومن خصّ من ذلك شيئا سئل البرهان عليه من
هامش
( 1 ) النساء 4 : 59 . ( 2 ) الإسراء 17 : 33 . ( 3 ) كالّذي رواه الإمام أحمد في المسند ( 5 : 323 ) عن عبادة بن الصامت قال : « كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنّا اثني عشر رجلا ، فبايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض الحرب ؛ على أن لا نشرك باللّه شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف ، فإن وفيتم فلكم الجنّة ، وإن غشيتم في ذلك شيئا فأمركم إلى اللّه إن شاء عذّبكم وإن شاء غفر لكم » . ورواه بنحوه البخاري في الحدود باب 14 ، ومناقب الأنصار باب 43 ، والإيمان باب 11 ، والأحكام باب 49 ، والتوحيد باب 31 . والنسائي في البيعة باب 9 و 17 و 18 . ومالك في البيعة حديث 2 .