تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
فلو كانت الآية نازلة لتعديل هذا النظام الجاهل ، فمعناه : الترخيص في قتل البريء - إرواء لحسّ الانتقام - على شرط الاقتصار بالمماثلة في العدد والجنس « 1 » ، الأمر الّذي ترفضه شريعة العقل ومنهج العدل الإسلاميّ الحكيم . هذا المعنى غير معقول ، فكيف القول بأنّه شرّع ثمّ فسخ . إذ لا يمكن القول بتشريع قانون إلهيّ يخالف شريعة العقل ، ولو للحظة ! ؟ ومن ثمّ فمن المستغرب ما فهمه سيّد قطب من هذه الآية ، بأنّ مجالها مجال الاعتداء الجماعي - كحالة ذينك الحيّين من العرب - حيث تعدّى أسرة على أسرة ، أو قبيلة على قبيلة ، أو جماعة على جماعة . فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء . فإذا أقيم ميزان القصاص ، كان الحرّ من هذه بالحرّ من تلك ، والعبد من هذه بالعبد من تلك ، والأنثى من هذه بالأنثى من تلك . « 2 » أي إذا قتل منهم عبد فليقتلوا عبدا من عبيدهم ، ولو كان غير القاتل ! ؟ هذا رأي غريب جدّا ، ويتنافى مع روح الإسلام العادلة . قال الشيخ محمّد عبده : تعني الآية أنّ الحرّ إذا قتل حرّا يقتل هو به لا غيره من سادات القبيلة ولا أكثر من واحد . وإذا قتل عبد عبدا يقتل هو به لا سيّده ، ولا أحد الأحرار من قبيلته . وكذلك المرأة إذا قتلت تقتل هي ، ولا يقتل أحد فداء عنها . خلافا لما كانت عليه الجاهليّة في ذلك كلّه . فالقصاص على القاتل نفسه أيّا كان لا على أحد من قبيلته . فما كانت عليه العرب في الثأر يبيّن هذا المعنى من الآية « 3 » . * * * بقي هنا شيء لا بدّ من التنبّه له ، وهو أنّ ظاهر سياق الآية في مقابلة الأصناف بالأصناف أن لا يقتل فريق بفريق آخر ، فلا يقتل رجل بامرأة ولا حرّ بعبد ، فلا يجري القصاص لو تخالف الصنفان . وهذا غير مراد البتّة ، لأنّه من الأخذ بمفهوم الخطاب لا بمنطوقه ، ولا حجيّة في الدلالة
هامش
( 1 ) بأن يقتلوا إزاء العبد عبدا ، وإزاء الأنثى أنثى ، حتّى ولو كان غير القاتل . . . وهذا غير معقول ولا مقبول البتّة . ( 2 ) في ظلال القرآن 2 : 234 . ( 3 ) المنار 2 : 126 .