تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
إلى مجاله في الفقه . ومن ثمّ فلا نسخ هنا ، لعدم المنافاة بينه وبين تفاصيل قانون القصاص . * * * وتذكر الروايات أنّ آية القصاص هنا - باعتبار - معادلة الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى - نزلت بشأن حيّين من العرب اقتتلوا في الجاهليّة - قبل الإسلام بقليل - فكان بينهم قتل وجراحات ، حتّى قتلوا العبيد والنساء ، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتّى أسلموا ، فكان أحد الحيّين يتطاول على الآخر في العدّة والأموال ، فحلفوا أن لا يرضوا حتّى يقتلوا بالعبد منّا الحرّ منهم ، وبالمرأة منّا الرجل منهم ، فنزل فيهم :
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى
منهما . ثمّ نسخت ، نسختها :
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
« 1 » . وقال أبو عليّ الطبرسي : هذه الآية نزلت في حيّين من العرب لأحدهما طول على الآخر ، وكانوا يتزوّجون نساء بغير مهور ، وأقسموا لنقتلنّ بالعبد منّا الحرّ منهم ، وبالمرأة منّا الرجل منهم ، وبالرجل منّا الرجلين منهم . وجعلوا جراحاتهم على الضعف من جراح أولئك ، حتّى جاء الإسلام ، فأنزل اللّه هذه الآية « 2 » . * * * قلت : لا يمكننا الموافقة على هذا الرأي ، باعتباره الآية نازلة لتعديل عادة جاهليّة ، ولكن تعديلا لا يتناسب ومنهج العدل الّذي يسير عليه الإسلام ، إذ كانت العرب تقتل من قبيلة القاتل أيّا كان من غير أن يعمدوا إلى القاتل خاصّة ، وهكذا كانوا يأخذون ثأرهم بغير هوادة ، ولا تزال العادة جارية حتّى اليوم ، ممّا سبّب مشكلة عويصة في أوساط عربيّة قاحلة إلى حدّ بعيد . نعم كانت العادة أسوأ - في الجاهليّة الأولى - حيث كانوا يقتلون بالواحد عشرات وبالعبيد الأحرار ، وبالأناثي الذكور ، من غير رعاية قانون القصاص ، بل مجرّد انتقام والأخذ بالثأر في شكل فظيع .
هامش
( 1 ) المائدة 5 : 45 . راجع : ابن أبي حاتم 1 : 293 - 294 . ( 2 ) مجمع البيان 2 : 264 - 265 .