تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
نعم ، ليس للمؤمن إلّا أن يستقيم على طريقته
الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
« 1 » . فيعتزّ بالحقّ المستمدّ مباشرة من ربّه « 2 » ، وبالسمة التي يسمهم بها ربّهم الجليل ، فيعرمون بها بين الناس
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
« 3 » . تلك كانت :
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ .
قال سيّد قطب : ونقف هنا عند سمة من سمات التعبير القرآني ذات الدلالة العميقة . . إنّ صدر الآية من كلام اللّه التقريري :
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً .
أمّا باقيها فهو من كلام المؤمنين . يلحقه السياق - بلا فصل - بكلام البارىء - سبحانه - في السياق . وكلّه قرآن منزل . ولكنّ الشطر الأوّل حكاية عن قول اللّه ، والشطر الثاني حكاية عن قول المؤمنين . وهو تشريف عظيم أن يلحق كلام المؤمنين بكلام اللّه في سياق واحد ، بحكم الصلة الوثيقة بينهم وبين ربّهم ، وبحكم الاستقامة الواصلة بينه وبينهم . وأمثال هذا في القرآن كثير ، وهو ذو مغزى كبير . « 4 » * * * ثمّ تمضي الحجّة الدامغة إلى نهايتها الحاسمة :
قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ .
نعم لا مجال للجدل في اللّه وهو ربّنا وربّكم كما أنّ لنا أعمالنا نحاسب عليها . . ولكم أعمالهم تتحوّل وزرها . . غير أنّ هناك فارق كبير يفصل بيننا وبينكم ، إذ نحن متجرّدون له ومخلصون في عبادته لا نشرك به شيئا ولا ندعو معه أحدا . وهذا تعريض لطيف بالمدّعين للتوحيد ، فإمّا يجعلون له شريكا في الربوبيّة ، كما صنع أهل الكتاب أو يشركون في عبادته ، مع اعترافهم بأنّ الصانع تعالى واحد لا شريك له . فلم يكن توحيد كلّ من الفئات خالصا ، كما هو عند المسلمين . * * * وينتقل السياق إلى مجال آخر من مجالات الجدل ، ممّا لا ينبغي الجدل فيه .
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى
وهم أسبق
هامش
( 1 ) فصّلت 41 : 30 . ( 2 ) حيث ذيل الآية :تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا . . .( 3 ) الفتح 48 : 29 . ( 4 ) في ظلال القرآن 1 : 164 - 165 .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 32 | الشيخ محمد هادي معرفة