تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
وبعد فإذ تمّ عرض قصّة إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام وبنائهما للبيت الرفيع ، وما أبرزته هذه القصّة البديعة من سمات وصفات هي من جلائل سمات الكرام وما حوته أدعية هذا الأب والابن الحنونين على الذراري والأحفاد ، من درس وعبر وتبيين لموضع وراثة الأبناء لآبائهم الأعلام ، وما به يستحقّ الأحفاد أن يرثوا الأجداد . بعد إذ تمّ ذلك ، يأتي السياق ليلتقط دلالته وإيحاءه ، ليواجه بهما الّذين ينازعون الأمّة المسلمة في الإمامة ، وينازعون نبيّ الإسلام النبوّة والرسالة وقيادته لهداية الناس جميعا ، عن استحقاق تليد وليس عن طارف . نعم يجادلون في حقيقة دين اللّه الأصيلة الصحيحة :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ
يحيد عن طريقته الواضحة وشريعته البيضاء اللائحة
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
سفيه مستهتر حيث أخذ في عكر الظلام ، مع وضوح المحجّة وظهور الحجّة ؟ !
وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا
حيث أفضليّته على سائر الناس
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
معدود من عبادنا الصالحين الخلّص ، لم يعكر صفو زلاله كدر غبار . ولكن لم اصطفاه اللّه في الدنيا إماما ، ليكون في الآخرة من خير عباد اللّه الصالحين ؟ نعم لم يكن لشيء سوى استسلامه لربّ العالمين :
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ
- لفوره - :
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
هذه هي ملّة إبراهيم وطريقته اللائحة المفضّلة : الإسلام الخالص الصريح . . ولم يكتف إبراهيم بنفسه ، إنّما تركها كلمة باقية في عقبه ، وجعلها وصيّة في ذرّيّته .
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ
ويعقوب هذا هو إسرائيل الذي ينتسب اليهود إليه ، ثمّ لا يلبّون وصيّته ووصيّة جدّه وجدّهم إبراهيم . وها هو إبراهيم وحفيده يعقوب يذكّران ذراريهما بنعمة اللّه عليهم في اختياره الحنيفيّة دينا لهم :
يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ
فلا تكن مشيتكم على خلاف هذا الاصطفاء الحنيف ، ولتكن مسيرتكم على منهجه مع الأبد .
فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . .
وليكن ذلك شكرا منكم على نعمة هذا الاختيار وهذا الاصطفاء . . والحرص على ما اختاره اللّه لهم ، والاجتهاد في أن لا يتركوا هذه الأرض إلّا وهذه الأمانة محفوظة فيهم . * * *
التفسير الأثري الجامع — صفحة 29 | الشيخ محمد هادي معرفة