تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ . وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
« 1 » . ولنرجع إلى الغرض فإنّ هذه تلويحات تشير إلى أمور هي أعلى من علوم المعاملة . فنقول : ظهر أنّ الصبر عبارة عن « ثبات باعث الدين في مقاومة باعث الهوى » وهذه المقاومة من خاصّة الآدميين ، لما وكّل بهم من الكرام الكاتبين ، ولا يكتبان شيئا عن الصبيان والمجانين ، إذ قد ذكرنا أنّ الحسنة في الإقبال على الاستفادة منهما ، والسيّئة في الإعراض عنهما ، وما للصبيان والمجانين سبيل إلى الاستفادة ، فلا يتصوّر منهما إقبال وإعراض ، وهما لا يكتبان إلّا الإقبال والإعراض من القادرين على الإقبال والإعراض . ولعمري إنّه قد تظهر مبادئ إشراق نور الهداية عند سنّ التمييز وتنمو على التدريج إلى سنّ البلوغ ، كما يبدو نور الصبح إلى أن يطلع قرص الشمس ، ولكنّها هداية قاصرة لا ترشد إلى مضارّ الآخرة ، بل إلى مضارّ الدنيا ، فلذلك يضرب على ترك الصلوات ناجزا ، ولا يعاقب على تركها في الآخرة ، ولا يكتب عليه من الصحائف ما ينشره في الآخرة ، بل على القيّم العدل والوليّ البرّ الشفيق - إن كان من الأبرار وكان على سمت الكرام الكاتبين البررة الأخيار - أن يكتب على الصبيّ سيّئته وحسنته على صحيفة قلبه ، فيكتبه عليه بالحفظ ، ثمّ ينشره عليه بالتعريف ، ثمّ يعذّبه عليه بالضرب . فكلّ وليّ هذا سمته في حقّ الصبيّ فقد ورث أخلاق الملائكة واستعملها في حقّ الصبيّ . فينال بها درجة القرب من ربّ العالمين ، كما نالته الملائكة ، فيكون مع النبيّين والمقرّبين والصدّيقين . وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة » « 2 » وأشار بأصبعيه الكريمتين يعني السبّابة والوسطى .

الصبر نصف الإيمان

اعلم أنّ الإيمان تارة يختصّ في إطلاقه بالتصديقات بأصول الدين ، وتارة يختصّ بالأعمال الصالحة الصادرة منها ، وتارة يطلق عليهما جميعا . وللمعارف أبواب ، وللأعمال أبواب . ولاشتمال لفظ الإيمان على جميعها كان الإيمان نيفا وسبعين بابا . « 3 » أمّا كون الصبر نصف الإيمان فباعتبارين
هامش
( 1 ) يس 36 : 9 - 10 . ( 2 ) الترمذي 3 : 215 / 1983 ؛ البيهقي 6 : 283 . ( 3 ) روى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستّون شعبة » ؛ ( مسلم 1 : 46 ) .