فيكتب إقباله له حسنة . وكذا بالاسترسال هو معرض عن صاحب اليسار تارك للاستمداد منه فهو به مسيء إليه فيثبت عليه سيّئة ، وبالمجاهدة مستمدّ من جنوده فيثبت له به حسنة . وإنّما ثبتت هذه الحسنات والسيّئات بإثباتهما فلذلك سميّا كراما كاتبين . أمّا الكرام فلانتفاع العبد بكرمهما ولأنّ الملائكة كلّهم كرام بررة ، وأمّا الكاتبون فلإثباتهما الحسنات والسيّئات وإنّما يكتبان في صحائف مطويّة في سرّ القلب ، ومطويّة عن سرّ القلب حتّى لا يطلع عليه في هذا العالم ، فإنّهما وكتبتهما وخطّهما وصحائفهما وجملة ما تعلّق بهما من جملة عالم الغيب والملكوت لا من عالم الشهادة ، وكلّ شيء من عالم الملكوت لا تدركه الأبصار في هذا العالم ، ثمّ تنشر هذه الصحائف المطويّة عنه مرّتين : مرّة في القيامة الصغرى ، ومرّة في القيامة الكبرى ، وأعني بالقيامة الصغرى حالة الموت .
إذ قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من مات فقد قامت قيامته » « 1 » وفي هذه القيامة يكون العبد وحده وعندها يقال :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
« 2 » وفيها يقال :
كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
« 3 » أمّا في القيامة الكبرى الجامعة لكافّة الخلائق فلا يكون وحده بل ربما يحاسب على ملأ من الخلق ، وفيها يساق المتّقون إلى الجنّة والمجرمون إلى النار زمرا لا آحادا . والهول الأوّل هو هول القيامة الصغرى . ولجميع أهوال القيامة الكبرى نظير في القيامة الصغرى ، مثل زلزلة الأرض مثلا ، فإنّ أرضك الخاصّة بك تزلزل في الموت ، فإنّك تعلم أنّ الزلزلة إذا نزلت ببلدة صدق أن يقال قد زلزلت أرضهم وإن لم تزلزل البلاد المحيطة بها ، بل لو زلزل مسكن لإنسان وحده فقد حصلت الزلزلة في حقّه ؛ لأنّه إنّما يتضرّر عند زلزلة جميع الأرض بزلزلة مسكنه لا بزلزلة مسكن غيره ، فحصّته من الزلزلة قد توفّرت من غير نقصان .
واعلم أنّك أرضى مخلوق من التراب ، وحظّك الخاصّ من التراب بدنك فقط ، فأمّا بدن غيرك
هامش
( 1 ) حديث : « من مات فقد قامت قيامته » أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت من حديث أنس انظر : كنز العمّال 15 : 686 / 42748 . قال صاحب المقاصد الحسنة ( 1183 ) : له ذكر في : « أكثروا ذكر هادم اللذّات » . ورواه الديلمي عن أنس مرفوعا ولفظه : « إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته » ، وللطبراني من حديث زيادة بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال :
« يقولون : القيامة القيامة وإنّما قيامة المرء موته » ، ومن رواية سفيان بن أبي قيس قال : شهدت جنازة فيها علقمة فلمّا دفن قال : « أما هذا فقد قامت قيامته » . انظر : كنز العمّال 15 : 548 / 42123 ؛ وكشف الخفاء ، العجلوني 2 : 279 / 2618 .
( 2 ) الأنعام 6 : 94 .
( 3 ) الإسراء 17 : 14 .