تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
وعلى مقتضى إطلاقين : أحدهما : أن يطلق على التصديقات والأعمال جميعا ، فيكون للإيمان ركنان : أحدهما اليقين ، والآخر الصبر . والمراد باليقين : المعارف القطعيّة الحاصلة بهداية اللّه تعالى عبده إلى أصول الدين . والمراد بالصبر : العمل بمقتضى اليقين . إذ اليقين يعرّفه أنّ المعصية ضارّة والطاعة نافعة ، ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلّا بالصبر ، وهو استعمال باعث الدين في قهر باعث الهوى والكسل . فيكون الصبر نصف الإيمان بهذا الاعتبار . ولهذا جمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : بينهما فقال : « من أقلّ ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر » « 1 » . الاعتبار الثاني : أن يطلق على الأحوال المثمرة للأعمال لا على المعارف ، وعند ذلك ينقسم جميع ما يلاقيه العبد إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة أو يضرّه فيهما ، وله بالإضافة إلى ما يضرّه حال الصبر ، وبالإضافة إلى ما ينفعه حال الشكر . فيكون الشكر أحد شطري الإيمان بهذا الاعتبار ، كما أنّ اليقين أحد الشطرين بالاعتبار الأوّل . وبهذا النظر قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : « الإيمان نصفان ، نصف صبر ونصف شكر » . وقد يرفع أيضا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 2 » . ولمّا كان الصبر صبرا عن باعث الهوى بثبات باعث الدين ، وكان باعث الهوى قسمين ، باعث من جهة الشهوة ، وباعث من جهة الغضب ؛ فالشهوة لطلب اللذيذ والغضب للهرب من المؤلم ، وكان الصوم صبرا عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب ، قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بهذا الاعتبار : « الصوم نصف الصبر » « 3 » . لأنّ كمال الصبر بالصبر عن دواعي الشهوة ودواعي الغضب جميعا ، فيكون الصوم بهذا الاعتبار ربع الإيمان . فهكذا ينبغي أن تفهم تقديرات الشرع بحدود الأعمال والأحوال ونسبتها إلى الإيمان ؛ والأصل فيه أن تعرف كثرة أبواب الإيمان ، فإنّ اسم الإيمان يطلق على وجوه مختلفة .

الأسامي الّتي تتجدّد للصبر بالإضافة إلى ما عنه الصبر

اعلم أنّ الصبر ضربان ؛ أحدهما : بدنيّ ، كتحمّل المشاقّ بالبدن والثبات عليها . وهو إمّا بالفعل
هامش
( 1 ) مسكن الفؤاد : 47 ؛ البحار 79 : 137 / 22 . ( 2 ) كنز العمّال 1 : 36 / 61 ؛ البحار 74 : 151 / 99 . ( 3 ) ابن ماجة 1 : 555 / 1745 ، بلفظ : « الصيام نصف الصبر » .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 212 | الشيخ محمد هادي معرفة