فليس بحظّك . والأرض الّتي أنت جالس عليها بالإضافة إلى بدنك ظرف ومكان تخاف من تزلزله أن يتزلزل بدنك بسببه ، وإلّا فالهواء أبدا متزلزل وأنت لا تخشاه إذ ليس يتزلزل به بدنك ، فحظّك من زلزلة الأرض كلّها زلزلة بدنك فقط ، فهي أرضك وترابك الخاصّ بك ، وعظامك جبال أرضك ، ورأسك سماء أرضك ، وقلبك شمس أرضك ، وسمعك وبصرك وسائر خواصّك نجوم سمائك ، ومفيض العرق من بدنك بحر أرضك ، وشعورك نبات أرضك ، وأطرافك أشجار أرضك ، وهكذا إلى جميع أجزائك ، فإذا انهدم بالموت أركان فقد زلزلت الأرض زلزالها ، فإذا انفصلت العظام من اللحوم فقد حملت الأرض والجبال فدكّتا دكّة واحدة ، فإذا رمت العظام فقد نسفت الجبال نسفا ، فإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كوّرت الشمس تكويرا ، فإذا بطل سمعك وبصرك وسائر حواسّك فقد انكدرت النجوم انكدارا ، فإذا انشقّ دماغك فقد انشقّت السماء انشقاقا ، فإذا انفجرت من هول الموت عرق جبينك فقد فجّرت البحار تفجيرا ، فإذا التفّت إحدى ساقيك بالأخرى وهما مطيّتاك فقد عطّلت العشار تعطيلا ، فإذا فارقت الروح الجسد فقد حملت الأرض فمدّت حتّى ألقت ما فيها وتخلّت .
ولست أطوّل بجميع موازنة الأحوال والأهوال ، ولكنّي أقول : بمجرّد الموت تقوم عليك هذه القيامة الصغرى ، ولا يفوتك من القيامة الكبرى شيء ممّا يخصّك ، بل ما يخصّ غيرك ؛ فإنّ بقاء الكواكب في حقّ غيرك ما ذا ينفعك ، وقد انتشرت حواسّك الّتي بها تنتفع بالنظر إلى الكواكب ، والأعمى يستوي عنده اللّيل والنهار ، وكسوف الشمس وانجلاؤها ، لأنّها قد كسفت في حقّه دفعة واحدة ، وهو حصّته منها ، فالانجلاء بعد ذلك حصّة غيره ، ومن انشقّ رأسه فقد انشقّت سماؤه ، إذ السماء عبارة عمّا يلي جهة الرأس ، فمن لا رأس له لا سماء له ، فمن أين ينفعه بقاء السماء لغيره ؟
فهذه هي القيامة الصغرى . والخوف بعد أسفل ، والهول بعد مؤخّر ، وذلك إذا جاءت الطامّة الكبرى وارتفع الخصوص ، وبطلت السماوات والأرض ، ونسفت الجبال وتمّت الأهوال .
واعلم أنّ هذه الصغرى « 1 » وإن طوّلنا في وصفها فإنّا لم نذكر عشير أوصافها ، وهي بالنسبة إلى القيامة الكبرى كالولادة الصغرى بالنسبة إلى الولادة الكبرى ؛ فإنّ للإنسان ولادتين ، إحداهما :
الخروج من الصلب والترائب إلى مستودع الأرحام ، فهو في الرحم في قرار مكين إلى قدر معلوم ،
هامش
( 1 ) أي القيامة الصغرى .