تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
والمقرّبين ، ويلحق بالملأ الأعلا والسابقين ، إن ساعده التوفيق ، وكان من الكاملين . أو بأصحاب اليمين ، إن كان من المتوسّطين ، أو يحشر مع الشياطين وأصحاب الشمال ، إن ولّاه الشيطان وقارنه الخذلان في المآل . وهذا معنى الصراط المستقيم ، منه ما إذا سلكه أوصله الجنّة ، وهو ما يشتمل عليه الشرع ، كما قال اللّه عزّ وجلّ :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ،
صراط اللّه وهو صراط التوحيد والمعرفة والتوسّط بين الأضداد في الأخلاق ، والتزام صوالح الأعمال . وبالجملة : صورة الهدى الذي أنشأه المؤمن لنفسه ما دام في دار الدنيا ، مقتديا فيه بهدى إمامه ، وهو أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف في المعنى ، مظلم لا يهتدى إليه إلّا من جعل اللّه له نورا يمشي به في الناس ، يسعى الناس على قدر أنوارهم . . . « 1 » . وبعد تلكم الأحاديث المتظافرة والتي رواها الفريقان بإجماع : [ 1 / 568 ] روى عبد بن حميد وابن عساكر من طريق عاصم الأحول « 2 » عن أبي العالية في قوله
صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ *
قال : هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وصاحباه من بعده . قال : فذكرنا ذلك للحسن ، فقال : صدق . . . « 3 » . [ 1 / 569 ] ولعلّ الأصل هو ما رواه المفسّرون ورواه الطبراني بإسناده إلى الأعمش عن أبي وائل عن عبد اللّه بن مسعود قال : الصراط المستقيم ، الذي تركنا عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 4 » . مرادا به النبيّ الأعظم ومن جرى على منهجه وشريعته من صحابته الأخيار والتابعين لهم بإحسان . قال أبو جعفر الطبري : والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي - أعني :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
- أن يكون معنيّا به : وفّقنا للثبات على ما ارتضيته ووفّقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل ، وذلك هو الصراط المستقيم . لأنّ من وفّق لما وفّق له من أنعم اللّه عليه من النبيّين
هامش
( 1 ) الصافي 1 : 127 . ( 2 ) هو ابن سليمان البصري ، مولى عثمان ويقال : آل زياد . كان يتولّى الولايات ، فكان بالكوفة على الحسبة في المكاييل والأوزان وكان قاضيا بالمدائن لأبي جعفر . وكان يحيى بن سعيد قليل الميل إليه . وقال ابن إدريس : رأيته أتى السوق فقال : اضربوا هذا ، أقيموا هذا ، فلا أروي عنه شيئا . وتركه وهيب ، لأنّه أنكر بعض سيرته . قال عليّ بن المديني عن القطّان : لم يكن بالحافظ . ( تهذيب التهذيب 5 : 43 / 73 ) . ( 3 ) الدرّ 1 : 39 - 40 ؛ ابن عساكر 44 : 259 ؛ ابن أبي حاتم 1 : 30 / 34 ؛ الحاكم 2 : 259 . ( 4 ) راجع : ابن كثير 1 : 30 ؛ الكبير 10 : 200 / 10454 .