تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
يعبدون أنفسهم ولا يتّخذونها أربابا . ولكن له وجه جار على الصحّة ، وذلك أنّه لم يقل إنّ هذا هو تفسير الآية « 1 » ولكن أتى بما هو ندّ في الاعتبار الشرعيّ الذي شهد له القرآن من جهتين . إحداهما : أنّ الناظر قد يأخذ من معنى الآية معنى من باب الاعتبار ، فيجريه فيما تنزل فيه ، لأنّه يجامعه في القصد أو يقاربه ؛ لأنّ حقيقة الندّ : أنّه المضادّ لندّه الجاري على مناقضته ، والنفس الأمّارة هذا شأنها ، لأنّها تأمر صاحبها بمراعاة حظوظها ، لاهية أو صادّة عن مراعاة حقوق خالقها . وهذا هو الذي يعنى به الندّ في ندّه ؛ لأنّ الأصنام نصبوها لهذا المعنى بعينه . وشاهد صحّة هذا الاعتبار قوله تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 2 » وهم لم يعبدوهم من دون اللّه ، ولكنّهم ائتمروا بأوامرهم ، وانتهوا عمّا نهوهم عنه كيف كان ، فما حرّموا عليهم حرّموه ، وما أباحوا لهم حلّلوه ، فقال اللّه تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
وهذا شأن المتّبع لهوى نفسه . والثانية : أنّ الآية وإن نزلت في أهل الأصنام ، فإنّ لأهل الإسلام فيها نظرا بالنسبة إليهم ، ألا ترى أنّ عمر بن الخطّاب قال لبعض من توسّع في الدنيا من أهل الإيمان : أين تذهب بكم هذه الآية
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
« 3 » . وكان هو يعتبر نفسه بها ، وإنّما أنزلت في الكفّار . ولهذا المعنى تقرير في العموم والخصوص « 4 » ، فإذا كان كذلك صحّ التنزيل بالنسبة إلى النفس الأمّارة في الآية . ومن المنقول عن سهل أيضا في قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ
« 5 » قال : ولم يرد اللّه معنى الأكل في الحقيقة ، وإنّما أراد معنى مساكنة الهمّة لشيء هو غيره ، أي لا تهتمّ بشيء هو غيري . قال : فآدم لم يعتصم من الهمّة والتدبير فلحقه ما لحقه من أجل ذلك . قال : وكذلك كلّ من ادّعى ما ليس له وساكن قلبه ناظرا إلى هوى نفسه فيه ، لحقه الترك من اللّه ، مع ما جلبت عليه نفسه ، إلّا أن يرحمه اللّه فيعصمه من تدبيره وينصره على عدوّه وعليها . قال : وآدم لم يعصم عن مساكنة قلبه إلى تدبير نفسه للخلود لمّا أدخل الجنّة ، ألا ترى أنّ البلاء دخل عليه من أجل سكون القلب إلى ما وسوست به
هامش
( 1 ) هذا وجه وجيه سوف نتعرّض له . ( 2 ) التوبة 9 : 31 . ( 3 ) الأحقاف 46 : 20 . والرواية في : شعب الإيمان 5 : 34 / 5672 ؛ كنز العمّال 3 : 717 / 8558 ؛ الحاكم 2 : 455 . ( 4 ) هو قولهم : « العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد » . ( 5 ) البقرة 2 : 35 .