فأفراد الجنس الواحد ، أو النوع الواحد ، كلها على طريق سواء ، في حياتها ، لا يختلف فرد عن فرد ، ولا تشذّ جماعة عن جماعة ، في أي مكان وأي زمان . .
فالنملة الواحدة ، هي النمل جميعه ، والنحلة الواحدة ، هي النحل كله ، والغراب الواحد ، هو الغربان جميعها ، والذئب الواحد ، هو الذئاب كلها . .
وهكذا ، كل فرد في جنسه ، يحمل تاريخ الجنس كله ، لا تحتاج في التعرف على هذا الجنس إلى أكثر من التعرف على فرد منه . . في أي مكان وفي أي زمان .
ومن هنا كان من الممكن رصد الشرور الناجمة من بعض الحيوان ، والعمل على توقّيها ، وأخذ الحذر منها . . فإنه إذا عرف الشرّ أمكن توقّيه ، وسدّ المنافذ التي ينفذ منها . .
وليس كذلك الإنسان . . فكل إنسان عالم وحده ، له وجوده الذاتي ، وله عقله ، وإدراكه ، وتصوراته ، ومنازعه ، وخيره ، وشرّه . . وهيهات أن يلتقى إنسان مع إنسان لقاء مطابقا في جميع الوجوه ، ظاهرا وباطنا . .
ولهذا فإنه لا يمكن رصد شرور الناس ، بل إنه لا يمكن رصد شرّ إنسان واحد ، ولا رسم الحدود التي يقف عندها . . ومن هنا كانت الاستعاذة من الناس ، على هذا الوجه الخاص ، لأن الشرور التي تقع منهم ، بل من أىّ واحد منهم ، كثيرة لا تحصى ، متعددة متنوعة ، لا تحصر . . ولعل هذا هو بعض السر في تكرار لفظ « الناس » ثلاث مرات في مطلع السورة ، فهم ليسوا ناسا وحسب ، بل هم ناس ، وناس ، وناس . . إنهم في مجموعهم ، أخيار ، وأشرار ، وخليط من أخيار وأشرار . . وهم في أفرادهم : خير ، وشر ، وخليط من الخير والشر . .
فالإنسان يحسن ، ويسئ ، ويقف موقفا بين الإساءة والإحسان .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1748
مساهمون: عبد الكريم الخطيب
ص١٧٤٨