وإنك لن تجد بخيلا أبدا يدعو إلى الإحسان ، لأن كلمة الإحسان تفزعه ، حتى لو نطق بها زورا وبهتانا . . فإذا دعا داع إلى الإحسان كان معنى هذا أنه يمكن أن يكون في المحسنين يوما ما . . وهذا هو السرّ في احتفاء القرآن الكريم بالحضّ على فعل المكارم ، فمن حضّ على مكرمة ، وجعلها دعوة له ، كان قمينا بأن يكون من أهلها عملا ، بعد أن كان من دعاتها قولا . .
وإذا جاز لإنسان أن يدعّ اليتيم ، ويزعج أمنه ، أو يضن على جائع بلقمة يتبلغ بها - وهو غير جائز ، ولا مقبول على أي حال - فإنه لا يجوز ولا يقبل أن يكون ذلك من أحد من قريش ، الذين أطعمهم اللّه من جوع ، وآمنهم من خوف ، من بين العرب جميعا . .
إنهم يشهدون ذلك في كل لحظة من لحظات حياتهم :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ »
( 67 : العنكبوت ) .
وقوله تعالى :
« فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ »
.
مناسبة هذه الآيات لما قبلها ، هي أن الصلاة في حقيقتها نور يضئ ظلام القلوب ، ويجلّى غشاوة النفوس ، لأنها أوثق الصلات التي تصل العبد بربه ، وتقرّبه منه ، وتعرضه لنفحات الرحمة ، فتشيع في كيانه الحب والحنان ، حيث يضفيهما على عباد اللّه ، وخاصة الضعفاء والفقراء ، الذين وصّى اللّه سبحانه وتعالى يهم الأقوياء والأغنياء ، واسترعاهم إياهم .
والصلاة لا تثمر هذا الثمر الطيب ، ولا تؤتى هذا الأكل الكريم ، إلا إذا كانت خالصة للّه ، يشهد فيها المصلّى جلال خالقه ، وعظمة ربه . . وذلك