تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1626

مساهمون:

ص١٦٢٦
وهكذا يذهب الناس ، كأجساد ، وتبقى غراس عقولهم ، وثمار أفكارهم . وقوله تعالى :
« كَلَّا . إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى »
. هو رد على سؤال وارد على قوله تعالى :
« عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
. . ومع أن هذه الآية وما بعدها ، قد نزلت بعد خمس الآيات التي افتتحت بها السورة بزمن ممتد ، إلا أن المناسبة جامعة بينها وبين ما قبلها ، وهذا هو السر في سردها في سياقها . . فقد قلنا : إن قوله تعالى :
« كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى »
- هو رد على سؤال وارد على قوله تعالى :
« عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
. . والسؤال هو : هل أدّى الإنسان حق هذه النعمة التي أنعمها اللّه عليه ؟ وهل كان له من علمه هذا الذي تعلمه ، نفع له ، وللناس معه ؟ والجواب على هذا : « كلّا » . . فإن هذا العلم الذي فتح على الناس وجوه المنافع ، وملأ أيديهم من ثمرات الحياة ، بما مكن لهم به من الأرض ، وما سخر لهم من قوى الطبيعة - هذا العلم ، قد فتنهم سلطانه ، وأغرى بعضهم ببعض ، فاتخذوا منه سلاحا للبغى والعدوان ، والتسلط والقهر . . وبهذا طغى الإنسان ، وتجبر وظلم ، حين رأى نفسه بمنقطع عن الناس ، مستغنيا عنهم بجاهه وسلطانه . . وهذا مما لا يعيب العلم ، ولا ينقص من قدره . . فإنه وإن يكن استحدث به الإنسان كثيرا من أدوات الإهلاك والتدمير ، فلقد استنبط منه ما لا يحصى من النعم الجليلة التي كشفت للإنسان عن فضل اللّه وإحسانه على الناس ، كما أقام من آيات اللّه شواهد ناطقة تشهد بجلاله ، وعظمته ، وحكمته ، وتضع الناس وجها لوجه أمام أسرار هذا الكون ، وما تنطوى عليه تلك الأسرار من سعة علم اللّه ، وعظمة جلاله وقدرته . . وفرق كبير بين الإنسان البدائي ، وبين رجل العلم في العصر الحديث ، في