تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1523

مساهمون:

ص١٥٢٣
في إبداع هذه الذات وتصويرها . . فإنه لو نظر بهذا العقل إلى هذا الذي يوجّه إليه من حقائق ، لعرف طريق الحق ، وسلك مسالك الهدى . فمن أين خلق هذا الإنسان ، ذو العقل والبصر ؟ خلق من ماء دافق ، أي ماء سائل ، جار ، لا كون له ، ولا تماسك بين أجزائه . . وقوله تعالى :
« يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ »
- إشارة إلى مورد هذا الماء الدافق ، وأنه ماء مخرجه من بين الصلب والترائب . . والصلب ، فقار الظهر ، والمراد به صلب الرجل ، أي ظهره . والترائب : جمع تريبة ، وهي موضع القلادة من الصدر . . والمراد بالتربية هنا تريبة المرأة . . فالماء الذي يخلق منه الإنسان ، هو ماء الرجل والمرأة معا ، حين يلتقيان في رحم المرأة . . وفي وصف الماء بالتدفق ، إشارة إلى أنه ماء قد خرج خروجا طبيعيا ، بعد أن استوى ونضج في صلب الرجل ، وتربية المرأة ، وأنه ليس ماء انتزع انتزاعا من موضعه قبل أن ينضج ويستوى . . قوله تعالى :
« إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ »
. أي أن اللّه سبحانه الذي خلق هذا الإنسان من هذا الماء الدافق ، قادر على أن يرجعه إلى الحياة بعد الموت ، ويخلقه خلقا آخر ، كما خلقه أول مرة . . فهذا الماء لا يختلف - في تقدير الإنسان - عن هذا التراب الذي الذي يبعث منه الإنسان بعد موته . . كلاهما شئ بعيد عن صورة الإنسان . . فما أبعد ما بين الإنسان ، وبين الماء ، أو التراب !
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1523 | عبد الكريم الخطيب