تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1358

مساهمون:

ص١٣٥٨
وفي قوله تعالى :
« يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً »
أي أنها عين تتفجر دائما كلما أرادوا أن يشربوا من خمر هذه العين . . فما هي إلا همسة خاطر حتى تنبع العين ، ويتفجر منها الخمر ، على هيئة كئوس تتناولها الأيدي من قريب . وفي تعدية الفعل « يشرب » بحرف الجر « الباء » مع أنه يتعدى بنفسه أو بحرف الجر « من » فيقال شربت اللبن ، أو شربت من اللبن - في تعدية هذا الفعل بالباء ، إشارة إلى أن العين التي يشرب منها عباد اللّه ، هي خمر وكأس معا ، وأنهم إذ يشربون بهذه العين التي هي خمر ، يشربون الخمر ذاتها . . وهذا يعنى أن هذا الشراب الذي ينبع من تلك العين ، لصفائه ، ورقته ، وشعشعة أضوائه - قد امتزج بالكأس ، فصارا معا كيانا واحدا ، لا يدرى الناظر إليهما ، أينظر إلى كأس أم إلى خمر . . فكلاهما أصفى من الهواء ، وأرق من الشعاع . . وإلى هذا المعنى يشير أبو نواس في قوله :
رقّ الزجاج ورقت الخمر * وتشاكلا فتشابه الأمر
فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر
وهذا المعنى الذي ذهبنا إليه ، إنما لمحناه من قوله تعالى :
« إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً »
حيث عدل النظم القرآني عن تعدية الفعل « يشرب » إلى أداة الشرب بالباء ، كما هو المألوف ، إذ يقال شربت بالكأس وبالكوب ، وعدى إلى تلك الأداة بمن . . ثم جاء قوله تعالى :
« عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ »
فعدل عن تعدية الفعل إلى مادة الشراب بحرف الجر من ، إلى تعديته بحرف الجر الباء
« عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ »
. . وبهذا أحلّ النظم القرآني مادة الشراب ( العين ) محلّ الكأس ، على حين أقام الكأس مقام العين ! . . وبهذا تبدو الصورة هكذا . .