تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1351

مساهمون:

ص١٣٥١
يرى أكثر المفسرين أن الاستفهام هنا لا يراد به حقيقته ، وإنما هو بمعنى الخبر ، وأن « هل » بمعنى « قد » . . أي قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا . . ! والرأي عندنا - واللّه أعلم - أن الاستفهام على حقيقته ، وأنه يحمل سؤالا موجها إلى الإنسان ليجيب عليه ، وليبحث عن حقيقته ، وكيف كان ؟ ثم كيف صار ؟ ثم إلى أين ينتهى به خط مسيرته ؟ فهذا السؤال من شأنه أن يستثير تفكير الإنسان ، وأن ينشّط مداركه الخامدة ، وأن يفتح عينيه المغمضتين ، على هذا الوجود ، وعلى القدرة المسيّرة له ، والقائمة على هذا النظام الممسك به . ولو لبس الاستفهام صورة الخبر - كما يذهب إلى ذلك المفسّرون - لما ، كان له هذا الأثر في تفكير الإنسان ، ولما أحدث في نفسه تلك المشاعر التي يستثيرها هذا الاستفهام الطارق لها . . والحين من الدهر ، هو القطعة المقتطعة من الزمن الطويل . . لأن الدهر زمن ممتد لا نهاية له ، والقطعة منه أيّا كانت ، هي زمن طويل قد يبلغ ألوف السنين . وهذا يعنى أن الإنسان يمكن أن يكون قد مضى عليه دهر طويل لم يكن فيه شيئا مذكورا ، أي ذا ذكر ، وأثر مشهود ، في الحياة . . ولو أراد الإنسان أن يجيب على هذا السؤال وهو : كم مضى عليه من الزمن لم يكن شيئا مذكورا ؟ - لاقتضاه ذلك أن يرجع ببصره إلى الوراء ، وأن يفتش في أغوار الزمن السحيق عن يوم ميلاده الذي كان فيه شيئا مذكورا . . ثم كان عليه أن يغوص أكثر وأكثر في أعماق الزمن ليرى وجوده قبل أن يكون شيئا مذكورا . . وفي هذه النظرة العميقة المتفحصة يتسع مجال البحث ، وتتشعب مسالك