تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1259

مساهمون:

ص١٢٥٩
إن المؤمن الذي فوض للّه أموره ، لا يرى عاقبة هذه الأمور إلا أنها الخير ، والخير كله . . أما غير المؤمن باللّه ، فإنه يحمل وحده هموم نفسه ، ويتولّى تصريفها ، غير ملتفت إلى أن يدا قوية قادرة حكيمة ، رحيمة ، هي التي تتصرف فيها بسلطان غالب ، ومشيئة سابقة ، وقدر مقدور - فهو لهذا في معاناة دائمة ، وفي مخاوف ووساوس لا تنقطع ، من عواقب أموره . . فإذا جاءه من أمر ما يسره ، لم تنطلق من نفسه رنة الفرح ، لأن هناك أمورا أخرى أصدرها ، وينتظر مواردها عليه ولا يدرى ما يجيئه منها ، فلا تقع الفرحة خالصة بما وقع ليده مما يسره . . وإن أصابه ما يسوءه ، قتل نفسه حسرة وندما ، لأنه فعل كذا ، ولم يفعل كذا ، وأنه لو سلك بأمره هذا الذي ورد عليه بهذا السوء مسلكا آخر - لما حدث له هذا الذي حدث . . وهكذا يظل يمضغ الحسرة والأسى ، حتى آخر لحظة من حياته . . فلا هو لما يسرّ مطمئن ، ولا هو لما يسوء واجد عزاء وسلوانا . قوله تعالى : *
« وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا »
. . هو معطوف على قوله تعالى :
« فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا »
. . أي اتخذ ربك الذي لا إله إلا هو ، وكيلا ، تستند إليه في جميع أمورك ، بعد أن انقطعت إليه ، ووضعت وجودك كله في سبيل مرضاته . . واصبر على ما يأتيك من المشركين من أقوال ضالة مفتراة ، وما يرمونك به من تهم باطلة كاذبة . . اصبر على سفاهتهم تلك وقولهم إنك مجنون ، وإنك شاعر ، أو كاهن ، أو مفتر متقوّل على اللّه . . اصبر على كل هذا ، فذلك هو من آثار هذا القول الثقيل الذي ألقيناه عليك ، وتلك هي المهمة الثقيلة التي انتدبناك لحملها . . وإنه لا يعنيك على حمل هذا العبء الثقيل إلا توكلك على اللّه ، واعتصامك بالصبر :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1259 | عبد الكريم الخطيب