تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1236

مساهمون:

ص١٢٣٦
وفي هذا التصوير لاجتماع المشركين ، وتكتلهم على الوقوف في وجه النبىّ - في هذا ما يشير إلى أمور : أولها : أن هذا المجتمع الذي يضم المشركين بعضهم إلى بعض في مواجهة النبىّ - ليس له من داعية معقولة ، وإنما هو صادر عن كائنات ميتة ، لا حسّ ولا إدراك لها ، إنها تجتمع وتتفرق ، بيد من يجمعها أو يفرقها ، كما يجتمع الشعر ويتفرق في يد من يجمعه ، أو يفرقه . . والشيطان هنا هو اليد التي تجمع هؤلاء المشركين ، أو تفرقهم حسب مشيئته فيهم . . وثانيها : أن هذه الجموع الكثيفة المحيطة بالنبيّ من المشركين ، إنما هي على كثرتها غثاء كغثاء السيل ، وأنها لا تلبث أن تعر من وجه الحق إذا طلع عليها وضربها الضربة القاضية . . إنها كائنات من مخلفات الحياة ، ليس لها جذور تمدها بالغذاء ، وتمسك عليها الحياة . . وإنه سرعان ، ما تجف وتتطاير ، فتذهب بها الريح ، وترمى بها في كل وجه . . وثالثها : أن هذا اللبد المجتمع حول النبىّ ، هو أشبه باللبد المجتمع حول رقبة الأسد ، فهو شئ عارض ، لا يؤثر في ذاتية الأسد ، وأنه يتطاير في كل لحظة ليخلى مكانه لغيره . ورابعها : أن هذا اللّبد المجتمع حول النبىّ - صلوات اللّه وسلامه عليه - وإن كان في هذا الوقت لبدا يشوكه ، ويؤذيه ، فإنه سيتحول عما قريب إلى لبد يحميه ، ويدفع عنه كل أذى . . وهكذا فإنه بعد سنوات قليلة اجتمع للنبىّ من هؤلاء المشركين جند اللّه ، المدافعون عن دينه ، والمجاهدون في سبيله ، وهم المهاجرون ، الذين كانوا مع إخوانهم الأنصار الكتيبة الأولى حملت راية الإسلام . وركزتها في أعزّ ، وأمكن مكان ، ودافعت عنها بالأرواح والأموال ، وفدّتها بالأبناء والآباء . .