تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1213

مساهمون:

ص١٢١٣
ويدع ما ليس له ، بمعنى أن يقطع مقول القول ، عن القول ، أو أداة النداء والمنادى ، عن الخاطب به ، فيقول ما أمر بقوله ، دون أن يصدره بلفظ : قل ، أو يا أيها النبىّ ؟ إن المألوف في لغة التخاطب أن يقال للإنسان مثلا : قل : « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » . . فيقول : « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » ولا يقول : « قل لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » : إنه لو قال هذا لما كان ممتثلا للأمر . بل مردّدا لصدى الكلام الذي سمعه . . أفهذا كان شأن رسول اللّه حين لم ينقل الصورة اللفظية التي سمعها ، قولا ، ومقولا ؟ والجواب - واللّه أعلم - من وجوه : فأولا : هذا الأمر الموجه إلى النبىّ - صلوات اللّه وسلامه عليه - والمصدّر بلفظ « قل » هو أمر صادر إليه من اللّه سبحانه وتعالى ، وأن هذا الذي يوحى من الحق جل وعلا ، يملأ الوجود كله ، ويسرى في كل ذرّة من ذرّاته ، فهو ليس مجرد قول من شخص إلى شخص ، وإنما هو من كلام ربّ العزّة ، الذي تبلغ كلماته أسماع الكون ، وتنفذ إلى أعماق كل ذرة موجودة فيه . وثانيا : وتأسيسا على هذا . . أن النبىّ صلوات اللّه وسلامه عليه . . حين تبلغه كلمات ربّه ، يمتلئ بها كيانه ، وتفيض بها مشاعره ، وتلبسه هذه الكلمات كما تلبس الروح الجسد . . ومن هنا فإنه لا يستطيع أن يفصل بعضا منها عن كيانه ، كما لا يستطيع الإنسان أن يقطع بعض روحه ، لأنها سر مضمر فيه ، يجده ملء وجوده ، ولكن لا يعرف لها ذاتا ، ولا كنها ، ولعلّ هذا من بعض ما يشير إليه قوله تعالى :
« وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا »
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1213 | عبد الكريم الخطيب