ضلّ عن سبيله ، ومن اهتدى . . فليس هذا العلم لمجرد العلم ، بل هو علم وراءه عمل ، هو مجازاة كل عامل بما عمل ، وبما كشف هذا العلم عما عمل . . وهو مثل قوله تعالى :
« وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ »
( 4 - 5 : الفتح ) .
وفي اختلاف النظم بين قوله تعالى :
« لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا »
، وقوله تعالى :
« وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى »
والذي كان من مقتضى ظاهر النظم أن يقال : ليجزى الذين أساءوا بالسوأى ، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى - في هذا إشارة إلى أن مجازاة الذين أساءوا بالسوأى ، ليست حتما مقضيّا في كل حال ، بل إن رحمة اللّه سبحانه وتعالى قد تنال هؤلاء المسيئين ، فيعفو اللّه سبحانه وتعالى عن سيئاتهم كلها أو بعضها ، كما يقول سبحانه :
« وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » *
( 3 : الشورى ) . . وكما يقول جل شأنه :
« وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ »
( 45 : فاطر ) . .
فالمسيئون في معرض رحمة اللّه ، إن شاء رحمهم وعفا عنهم ، وإن شاء أخذهم بذنوبهم ، أو ببعض ذنوبهم .
وأما في مقام الإحسان ، فالأمر مختلف . . فإن المحسنين هم في مواجهة رحمة اللّه وفي التعرض لها ، من باب أولى . . وهم لهذا مجزيون بإحسانهم ، بل وبمضاعفة هذا الإحسان . . فذلك مما تقضى به رحمة اللّه ، ويوجبه عدله . .