تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
ونقول : نعم ، هذا ممكن . . فإن هذا الإنسان الذي كرّمه اللّه سبحانه وتعالى ، وفضله على كثير من خلقه ، وجعله خليفة له في الأرض - هذا الإنسان ، قد نزع بيده هذا الثوب الكريم الذي ألبسه اللّه إياه ، وتخلى عن عقله الذي هو التاج الذي نال به شرف الانتماء إلى الإنسانية . . وقد عطل وظيفة هذا العقل ، فلم ينظر به في آيات اللّه الكونية ، ولم ير من خلال هذا النظر وجه خالقه ، ولم يتعرف إلى ما للخالق سبحانه من جلال وقدرة ، ثم إنه حين جاءته آيات اللّه على يد رسله لم يتنبه من غفلته ، ولم يحد عن طريق ضلاله ، بل ازداد كفرا باللّه ، ومحادّة له - فكان بهذا على غير صورة الإنسان الذي كرمه اللّه ، وخلقه في أحسن تقويم . إنه حينئذ هو الإنسان في أسفل سافلين ، ومن هنا كان إلى الحيوان أقرب منه إلى الإنسان ، ومن هنا أيضا كان حيوانا يقدّم على مذبح التقرب إلى اللّه ، إذا هو أعمل قرونه ومخالبه وأنيابه في عباد اللّه . . وأولياء اللّه . . فإن هو أمسك شره ، فلم يعرض لعباد للّه بأذى ، ترك وشأنه ، كما تترك الوحوش في الغابات . قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ »
. هو تنويه خاص بشأن الذين يستشهدون في سبيل اللّه . فهؤلاء الشهداء لن يضل اللّه أعمالهم ، بل سيقيمها على طريقه المستقيم ، حيث تنزل منازل الرضا والقبول من اللّه رب العالمين . . فهم داخلون أولا في قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ »
ثم هم مختصون ثانيا بهذا لذكر ، الذي يقيمهم بعد موتهم ، مقام الأحياء ، الذين لم يفارقوا هذه الدنيا ، وذلك بإصلاح بالهم ، على حين يقيمهم مقام أهل الجنة قبل أن يدخلها أحد غيرهم ، فهم ساعون إلى الجنة ، آخذون طريقهم التي يعرفونها ، إليها ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« وَلا تَحْسَبَنَّ