هو إضراب عن هذا الخطاب الذي وجه إليهم ، والذي كان من شأنه أن يحدث لهم ذكرا ، وأن ينقادوا للحق ، ويذعنوا له . . وأما ولم يكن لهم من هذا الحديث عبرة وعظة ، فقد كان من التدبير الحكيم أن يطوى عنهم هذا الحديث ، وأن يواجهوا بهذا الواقع الذي هم فيه ، وهو أنهم قد أبرموا أمرهم وأحكموه على هذا الضلال ، واللّه سبحانه قد أحكم أمره ، على أن يأخذ المجرمين يجرمهم . . وفي هذا وعيد لهم بما سيلقون من عذاب أليم ، يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون .
قوله تعالى :
« أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ؟ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ »
.
هو إضراب أيضا عن الخطاب الذي وجه إليهم في قوله تعالى :
« أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ »
. . حيث أن هذا الوعيد الذي يحمله الخطاب إليهم لم يلق منهم إلا استهزاء ، واستخفافا ، لأنهم على ظنّ بأن لا بعث ، ولا حساب ، ولا جزاء . . وأنه إذا كان بعث وحساب وجزاء - فأين هي أعمالهم التي يحاسبون عليها ؟ ومن رآها منهم وأحصاها عليهم ؟ وإذا كان هناك من يرى أعمالهم الظاهرة التي يعملونها على مشهد من الناس ، فأين من يعلم ما يعملونه في الخفاء ، وما يضمرونه في الصدور ؟ .
فجاء قوله تعالى :
« أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ؟ »
ليكشف عن هذا الوسواس ، الذي توسوس به لهم ظنونهم الكاذبة ، عن علم اللّه سبحانه وتعالى ، وليقرر لهم الحقيقة التي غابت عنهم ، وهي أن كل شئ عملوه في السرّ أو في الجهر ، يعلمه اللّه الذي لا تخفى عليه خافية . . بل وليس هذا فحسب ، بل إن أعمالهم كلها - سرها وجهرها - مسجلة في كتب يكتبها رسل من عند اللّه موكّلون بهم . .
« ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ »
( 18 : ق )