تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
واقتناع - فليس ذلك بالذي يمنع الابن من أن ينظر في هذه الدعوة الجديدة التي يدعى إليها من أبويه ، وأن يتعرف على هذا الإله الذي يراد منه أن يعبده . . فليس الإسلام بالذي يحجر على العقل أن ينظر في كل دين ، وأن يبحث في كل معتقد ، وأن يتفرس وجوه الآلهة التي يعبدها العابدون . . فهذا النظر وذلك البحث والتفرس ، سينتهى آخر الأمر إلى حقيقتين : أولاهما : أنه سيسقط من الحساب كلّ ما يقع عليه النظر من آلهة غير اللّه سبحانه وتعالى . . وأنه كلما تفرس المرء في وجه من وجوه هذه الآلهة التي تعبد من دون اللّه ، أنكره ، وارتفع بإنسانيته عن أن يعفر وجهه في معبد لحجر ، أو صنم ، أو حيوان . . أو إنسان . . وبهذا النظر يفيد الإنسان علما ، وهو أن المعبود الحق ، هو اللّه جل وعلا ، وأن أي معبود آخر ، لا يجد العقل من جهته علما يمسك منه بحجة أو برهان على ألوهيته - هو معبود باطل . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »
. . وما يشير إليه قوله سبحانه في آية أخرى :
« وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ »
( 117 : المؤمنون ) وثانيتهما : أن هذا النظر المتفحص ، الذي يطلب علما ، ويرتاد حقيقة ، من شأنه أن يثبت إيمان المؤمن باللّه ، ويكشف له من جلال اللّه وعظمته ، وعلمه ، وقدرته - ما يملأ قلبه يقينا بربه ، وطمأنينة إلى الدين الذي يدين به ، فيعبد اللّه مخلصا له الدين ، غير متعرض لما يتعرض له غيره من اهتزاز في إيمانه ، واضطراب في عقيدته ، كلما مرت به محنة ، أو أصابته فتنة . . فيكون ممن قال اللّه فيهم :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ »
( 11 : الحج ) ولهذا كان من تدبير الإسلام دعوة المؤمنين إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض ، وإعمال العقل في كل
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 409 | عبد الكريم الخطيب